الثلاثاء، 16 مارس 2010

مار إفرام السرياني - (قيثارة الروح القدس)


مار إفرام السرياني

(قيثارة الروح القدس)

إذا لم يختلف النور

فالظلمة لا تقوى على الظهور

وإذا لم يلم النور أشعته

فالظلمة لا تبسط جناحيها السوداوين

مادام الكرى بعيدا عن عينك أيها الساهر

القديس إفرام، أشهر الأدباء الآراميين قاطبة، نُعت بتاج الأمة الآرامية السريانية ‏ومنار الكنيسة، معلم العلماء وقطب دائرة الشعراء، نبي السريان وعمود ‏الكنيسة. قال عنه القديس يوحنا الذهبي الفم: (إفرام كنّارة الروح القدس)

لقب بألقاب عدة كقيثارة الروح القدس وشمس السريان، وهو أحد آباء ومعلمي الكنيسة الذي تجمع على قداسته جميع الطوائف المسيحية الرسولية.

حياته ورسالته

ولد عام 306 ميلادية في مدينة نصيبين شمال شرق سوريا الفاصلة بين دولتيّ الروم والفرس.

يقول بعض المؤرخين، السريان خصوصاً، انه ولد من أبوين مسيحيين تّقيين، ربما استناداً الى ما ‏ورد في إحدى خطبه: «إني ولدت في طريق الحقيقة ولو أن صباي لم يشعر بذلك». بينما يقول ‏غيرهم: إن والده كان وثنياً من الرها وأمه فكانت مسيحية، ولما عرف الأب بميل إبنه ‏الشاب الى المسيحية واحتقاره الديانة المجوسية، غضب عليه وطرده من البيت، فالتجأ الى ‏أسقف مدينة نصيبين القديس يعقوب، وقبل العماد المقدّس في السنة الثامنة عشرة من عمره ‏تقريباً.

ثم «لازمه ملازمة الظل»

تتلمذ للقديس يعقوب أسقف نصيبين ولما أراد أن يرسمه كاهنا، اعتذر لتواضعه، واكتفى بأن يبقى شماساً إنجيلياً. ثم أقيمَ أستاذاً لمدرسة نصيبين الشهيرة التي ذاع صيتها في بلاد الشرق ، فانكبَّ على التدريس والتأليف حتى بلغت تلك المدرسة أوج الازدهار وكان تلاميذها من مشاهير العلماء السريان وبرز منها عدد كبير من ‏الكتّاب والملافنة والقديسين منهم أفراهاط الحكيم الفارسي مؤلف كتاب «البراهين»، ‏وغريغوريوس الراهب الأهوازي صاحب كتاب «السيرة الرهبانية»، في أواخر القرن الرابع.‏

علّم مار إفرام في مدرسة نصيبين زهاء 38 عاماً، وكان يغتنم بعض أوقات الفراغ للتأليف ‏شعراً ونثراً.

بعد وفاة القديس يعقوب أسقف نصيبين واصل إفرام مهمته التعليمية بنجاح ‏وتفوّق في عهد خلفائه الثلاثة،

وهم: بابو (338 - 343)

أولغاش (343 ـ 361)

إبراهيم ‏‏(361)

والذين تولوا كرسي أسقفية نصيبين.‏

أنشد إفرام مناقبهم الجليلة في ميامر عديدة،

وصف فيها

مار يعقوب بالغيرة والحزم

وبابو ‏بالتواضع ومحبة الفقراء

وأولغاش بالعلوم والأد ب

وإبراهيم بالوداعة ومحبة الفقر‏

ويُحكى أن شابور الثاني ملك الفرس رفع الحصار عن مدينة نصيبين سنة 338 بفضل صلوات مار ‏إفرام السرياني وأعجوبة حدثت على يده. أما إفرام فنسب ذلك الحدث العجيب إلى شفاعة ‏راعي الأبرشية القديس يعقوب.‏

بعد الحروب بين الفرس والرومان إلتزم الإمبراطور الروماني جوفيان أن يوقع معاهدة مع ‏الفرس، العام 363، تقضي بالتنازل لهم عن مدينة نصيبين. فرحل القديس افرام مع كثيرين من ‏مواطنيه إلى مدينة الرها، مروراً بمدينة آمد

وفي الرها واصل التعليم في مدرسة عُرفت ‏بمدرسة الفرس، لأنها تأسست خصيصاً للسريان النازحين من مدينة أصبحت تحت حكم الفرس، وأكثر ‏معلّمي المدرسة كانوا من النازحين أيضا مع افرام السرياني.‏

مارس هذا المعلّم الشهير التعليم حتى أواخر حياته، عام 373. وكان يشغل أوقات فراغه ‏بالمطالعة والتأليف والتأمل، مختلياً في جبل الرها، المدعو الجبل المقدس، لأنه اشتهر بكثرة ‏مغاوره التي اتخذها النسّاك صوامع لهم.‏

يتفق المؤرخون على أن إفرام السرياني كان ورعاً تقياً نقياً وديعاً. ورغم سمو قداسته وسعة ‏علمه اعتبر نفسه غير أهل لدرجة الكهنوت، بسبب تواضعه، فاكتفى بأن يكون شماساً لكنيسة ‏الرها. بشّر بملكوت الله وخدم القريب، لاسيما المعوز والجائع والمريض

ازدهرت الحياة الرهبانية في القرن الرابع للميلاد ، وظهر نساك في براري سورية الشمالية والوسطى ، وملأت الأديرة والجبال ما بين النهرين ، ودخل فيها آلاف الرهبان والراهبات .

وقيل أن مار افرام تنسك على اثر دخوله في مدرسة مار يعقوب اسقف نصيبين .

وأتم نذوره الرهبانية الثلاثة :

الطاعة

والفقر

والبتولية

وكان مار افرام لا يأكل سوى خبز الشعير والبقول المجففة، ولا يشرب سوى الماء، ولا يلبس إلا أطمارا بالية.

قال عنه باسيليوس الكبير (331-379): «ان مار افرام جوهرة نادرة المثال، غالية الاثمان، ‏اختفى بحجاب تواضع عميق عن أعين البشر، مستأثراً بدرس الفضيلة والحكمة السامية ليحوز ‏القربى لدى الله تعالى العارف بخفايا القلوب ومكنونات الصدور منذ وفاته، العام 373، رفع افرام السرياني على المذابح، واعلنه البابا بندكتس الخامس ‏عشر ملفانا للكنيسة الجامعة في 5 تشرين الأول سنة 1920

بدأت الطقوس الكنسية في فجر المسيحية كأدعية تُتلى ومزامير تُرنم في اجتماعات المؤمنين للصلاة والاحتفال بالقربان المقدس. واهتم مار أفرام بالحياة الطقسية في الكنيسة إذ أدخل إليها أناشيده المنظومة على ألحان خاصة. كما نظم جوقة مختارة من فتيات الرها اللواتي علمهن ما اقتبسه من الأنغام الموسيقية وما نظمه من القصائد الروحية والتراتيل التي ضمنها العقائد الدينية وناهض بها الهراطقة. وقد صارت أناشيد أفرام وأشعاره جزءا لا يتجزأ من الطقس الكنسي في حياته وما تزال الكنيسة السريانية تترنم بها صباح مساء والى مارافرام يعود فضل تنظيم الحياة الطقسية في الكنيسة السريانية وتنظيم الجوقات الكنسية التي تصدح اليوم آذان المؤمنين في الكنائس وتخلق في نفوسهم الخشوع وتساعدهم على التعبد للرب والاهتداء إلى الإيمان الأفضل.

مؤلفاته:

جميع مؤلفاته كتبها باللغة السريانية وترجمت لمختلف لغات العالم و تعد من روائع الادب المسيحي السوري ، وتمتاز مؤلفاته الكثيرة بالرقة و بجمال التفكير والتعبير ومازالت تتلى حتى اليوم كجزء من ليتورجيات الكنائس السريانية المختلفة ، كتب الكثير في مدح السيدة العذراء

برع القديس افرام السرياني بتفسير الكتاب المقدس- وعقائد الإيمان القويم واتبع في ذلك الطريقة الشعرية حيث أبدع أجمل ما كتب في شرح وإيضاح المعاني الروحية لكلمة الله ، إضافة إلى ذلك اهتم بالكرازة وعاش حياة المتصوفين

هذا وقد ترجمت مؤلفاته إلى اليونانية في حياته أو في العقد الأول بعد وفاته نظرا لأهميتها ، كما نقلت بعدئذ إلى لغات شتى، أهمها العربية .. فقد ترجم إلى العربية إبراهيم بن يوحنا الإنطاكي سنة 980 عددا من مقالات أفرام في الرهبنة، إضافة إلى ما ذكره رئيس أساقفة دمشق للسريان الكاثوليك، غريغوريوس يعقوب حلياني 1750، وفيه يتحدث عن الشعر السرياني والدور الريادي الذي قام به مار افرام كما أن ثمة 51 مقالة نقلت إلى العربية من اليونانية حوالي القرن الحادي عشر ، هذا وأصلها السرياني مفقود.

كتابات افرام السرياني كثيرة ومتنوعة، ويغلب فيها الشعر على النثر. ذكر المؤرخ ‏اليوناني سوزومين (423 ب.م) إن القديس افرام السرياني كتب زهاء ثلاثة ملايين من ‏الأشعار، وقال القديس ايرونيموس (340-420) إن منظومات مار افرام السرياني المنيفة ‏على ثلاثة ملايين من الأبيات الشعرية فرضت وجودها بامتياز في الكنائس المسيحية منذ كان بعد ‏في قيد الحياة».‏

اهتم بعض العلماء في الشرق والغرب بنشر مؤلفات مار افرام استناداً إلى المخطوطات ‏اللندنية والفاتيكانية وغيرها. وأشهر من اهتم بهذه الآثار الكتابية النفيسة هو الراهب ‏البندكتاني الألماني ادموندس بك الذي نشر، بطريقة علمية حديثة، كتابات مار افرام، ‏باللغة الالمانية في 14 مجلداً كبيرا، من 1955-1970 ضمن مجموعة «الكتبة المسيحيين الشرقيين». ‏وأخذ عنه كثيرون في ما بعد، وترجمت كتاباته إلى لغات عدة.‏

روحانيته

كان افرام السرياني، شاعرا ورجل تأمل وصلاة، تعمق في روحانية الوحي الإلهي، وفي أقوال ‏الأنبياء والرسل، فجاءت كتاباته امتدادا طبيعياً لروحية العهد القديم والجديد، من يطالع ‏شروحه للكتب المقدسة ويقرأ اناشيده في الحقائق الإلهية يواجه روحاً نبوية ممتاز بالرؤى ‏الروحانية السماوية».‏

بعدما تشبّع افرام وارتوى من منبع الأسرار الإلهية، عبّر عما يختلج في أعماقه بأناشيد ‏ وترانيم شعرية رائعة، تعلمها منه الفتيان والفتيات فأنشدوها ورتلوها في ‏الكنائس والشوارع والبيوت والحقول.‏

روحانية افرام تظهر بخاصة في عبادته للعذراء مريم. هذه العبادة كانت عميقة وثابتة. ‏ولقد ردد مراراً: «عظامي تصرخ من القبر: إن مريم قد ولدت ابن الله. وما أكثر الأناشيد ‏والقصائد التي خصصها لمديح مريم!‏

وتسمو روحانيته كذلك في توقه الحار إلى القداسة، فالقداسة ثمرة «الطريق الحرج» طريق ‏الصليب الذي تكلم عنه المسيح مراراً.‏

فما أصدق كلام ابن سيراخ إذ طبق على افرام السرياني: «في جميع أعماله حمد القدوس العلي ‏بكلام مجد، وبكل قلبه انشد واحب الذي صنعه. أقام المرتلون أمام المذبح ليرسلوا ألحانهم ‏العذبة. جعل للأعياد رونقاً وللحفلات بهاء تاماً ليسبّح الرب القدّوس...» (ابن سيراخ47/8-‏‏10).

ذكرى للقديس مار أفرام السرياني ...(ثاني اسبوع من الصوم المقدس لعيد القيامة)

كم أيقونة لمار أفرام السرياني ..قيثارة الروح القدس :










السبت، 13 مارس 2010

المسلمـــــون والمسيحيّــــون في لبــــنان?! - بقلم: المطران جورج خضر

المسلمـــــون والمسيحيّــــون في لبــــنان?!

بقلم: المطران جورج خضر

إن لم تقم العلاقة بينهم على التقوى فهي ليست بشيء. وأهل التقوى واحد في كل الأمم لأن الله يستقطبهم ويوحدهم فيه على اختلاف ما يقولون فيه وفي أشيائه والسياسة تأتي بعد ذلك على قول المعلم الناصري: "إطلبوا أولا ملكوت الله وبره والباقي يزاد لكم". ذلك أن الذين يطلبون الآخرة يتوافر لهم ما يفيدهم في معاشهم هنا.

كتبت مرة ما مفاده أني لما كنت أرى في طفولتي من نوافذ أحد المساجد في طرابلس المسلمين يصلون كنت أتخشع إذ كنت افهم أن قوما آخرين يعبدون الله. كذلك احسب أنهم يتخشعون إذا تلوا شيئا من الإنجيل أو حضروا قداسا بيزنطيا. فالقبة هي كقباب المساجد والألحان شرقية والربوبية واحدة في ذاتها وفي نفوسنا كلينا. وأنا أحب منذ طفولتي إيقاع الآذان منذ الفجر حتى صلاة العشاء وهو يغنيني عن إيقاع الساعة. هناك انسجام لا داعي إلى تعريفه عقليا ونعيشه في هذا البلد الذي ارتضيناه موقعا لنا في الأرض.

وأظن أننا مجموعة واحدة فيما نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، يراها الله واحدة في مقاييس لم يكشفها لنا وإذا صح الحديث الشريف: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام". فمن باب أولى القول: "أن خياركم في الإسلام مثل خياركم في المسيحية"، لأن التخلق بالله هو الوجود والانتساب الشكلي أو الإسمي ليس بشيء. فالصالحون في كل صقع هم خير امة أخرجت للناس وإذا فهمنا ذلك تأتي سياسة الأرض. هذه التي تفرّق عادة بين الناس بسبب من تباين المصالح وبسبب غلبة المصالح على الأهداف الروحية التي نبتغي. عند هذا يصبح المسيحيون أمة أرضية وربما كان كذلك المسلمون. "مملكتي ليست من هذا العالم" لا تختلف كثيرا عن أن الإسلام ليس فيه أصول حكم ولم يرد في التنزيل القرآني كلام عن الدولة وشكلها أو كلام واحد عن أن الدولة يسودها المسلمون. وعند تأسيس دولة الراشدين صار الكلام على أن غير المسلم من لا يسعه أن يكون خليفة أو قائد جيش أو قاضيا يقضي بالشرع ولكنه استوزر في العصر الأموي وكان عند بدئه يتولى بيت المال الذي هو مال المسلمين.

• • •

فالسؤال الذي يطرح نفسه هو ما علاقة الفقه وهو علم بشري بما انزله الله على نبيه. هل كل الحديث في هذه الأمور سوى تاريخ بشري له قوة التاريخ وهشاشته. والسؤال الأعم هو أن القرآن إذا كان لا يخضع تفسيره للتاريخ أفلا يخضع التاريخ الإسلامي نفسه للتحليل التاريخي وتاليا لنسبية الزمان وهو من متقلبات الزمن. كل انغلاق في حدود الزمان هو اعتراف بأن ما جرى بعد الوحي له قيمة الوحي. في هذا الصدد لا تستطيع أن تتكلم على المسيحيين إذ لا قيمة للتاريخ عندهم إلا ما له صلة بالكلمة الإلهي وقيمته إذاً غير مطلقة وليس عندهم صورة حكم وهم يتشكلون روحيا في كل أمة وُجدوا فيها ولا يبتغون مناصب إلا في لبنان وقد عاشوا عبيدا في نظام الرق وأحرارا حيث منحهم الحاكم الحرية مع أنهم صبوا إلى الحرية في الإمبراطورية الرومانية التي كانت تضطهدهم وفهموا قول المعلم: "وتعرفون الحق والحق يحرركم".

وعلى ذلك ما من شك في أنهم لم يضعوا هم "حقوق الإنسان والمواطن" وقد كُتبت هذه أولا في الثورة الفرنسية التي قامت ضد الكنيسة السائدة سياسيا. غير أن الذي لا شك فيه أن الثوار الفرنسيين تأصلوا في الإنجيل ولو أرادوا أن يكسبوا معانيه لباسا علمانيا. البشرية العلمانية صقلها روح المسيح في الحضارة الأوروبية وهذا كان خير لسائر الناس. ولا ينكر إنسان حقوق الإنسان لمجرد أن الذين صاغوها كانوا مسيحيين إذ كان فيها نفع للناس. وإذا أيد القرآن الإنجيل والتوراة في غير موضع ففي المنطق نفسه يؤيد المسلمون حقوق الإنسان ولو كانت لغتها آتية من قريب أو من بعيد من الوحي المسيحي. وعلى هذا اقترب مفكرون مسلمون كثر من الحكم المدني في كثير من البلدان الإسلامية وقد لا يكون شكله بالضرورة العلمانية الفرنسية وهناك علمانية بريطانية تختلف. وقال به أئمة مسلمون في لبنان. هذا ما أرجو أن نعود إليه بعد هذه الحرب الشرسة التي شنت علينا.

وإذا أردنا وحدة هذا الوطن لا تستطيع فئة حكم الشرائح كلها أو لا تستطيع أن تخرج على روح حقوق الإنسان لئلا تخرج من الحداثة التي هي المصطلح الوحيد الذي يجمعنا. ولا يفهمن احد أني بالضرورة داعية لشكل قاس من حكم يتنكر لخصوصية

الطوائف ولنكهتها ولكني أدعو إلى رؤية الوطن اللبناني جماعة واحدة. هذا لا يعني أني أنا الأرثوذكسي لا أرى نفسي واحدا في المسيح مع الشعوب الأرثوذكسية وبمعنى أوسع مع كل الشعوب المسيحية ولكن هذا ليس له ترجمة سياسية إطلاقا. فقد تكون روسيا مثلا ضد مواقف بلدي وأكون، إذ ذاك، ضدها. على هذا المنوال كان الرئيس جمال عبد الناصر نصيرا للقبارصة اليونانيين ضد الاحتلال التركي للجزيرة وكان رئيس الأساقفة مكاريوس قريبا من العرب. هناك إذاً رؤية مدنية لسياستك الخارجية. وفي بلدنا قد يكون المسيحي المنفتح، الحر، قريبا من موقف إسلامي جامع أو المسلم "المدني" قريبا من المسيحيين في موقف وطني داخلي. في الوضع الحاضر كان المخلصون من المسيحيين ضد أميركا في تحالفها مع إسرائيل. ولا معنى سياسيا على الإطلاق لكون الأميركيين مسيحيين. أنا المسيحي مع إيران في تخصيب الاورانيوم لتكون محاذية أو مساوية لإسرائيل الحاصلة على السلاح النووي. السياسة مصلحة شعبك ككل. وهذا يقتضي أن تتخذ الموقف الذي يدعمك في السياسة الخارجية.

على هذا لا افهم في منطق حداثي عبارة "الأمة الإسلامية" إلا بمعنى شعوري لا يلزمك بموقف سياسي. أنا افهم جيدا أن يحزن المسلم لكارثة في الباكستان كما أحزن لكارثة في اليونان. ولكني إن كنت أعظم إنسانية احزن لحزن البلدين في القوة نفسها. إلى الناحية الشعورية العقل وفي هذا المضمار متابعة شؤون الأبحاث الشرعية في بلدان المسلمين والمسائل الفكرية المتصلة بالدين لان تقدم الفكر واحد في العالم الإسلامي. وعلى هذه الصورة يتابع اللاهوتي الأرثوذكسي مثلا ما يكتب على هذا الصعيد في موسكو وأثينا وبوخارست وما إليها. وفي الواقع نقرأ مجلاتهم ونتابع هواجسهم اللاهوتية لكوننا كنيسة واحدة.

• • •

العمل السياسي عمل المواطنين مجتمعين لأنه متعلق بالأرض التي عليها يعيشون. السياسة تأتي من شعورك بأنك تحيا ليس فقط مع كل مواطنيك ولكن تحيا بهم. تعطيهم وتأخذ منهم فتقرأ مشاعرهم وتراثهم وأسباب تصرفاتهم فتتأثر بهم ويتأثرون بك.

الوطن تاريخيا وشعوريا وأمام آفاقه واحد ولو كانت مصادر الشعور والسلوك متنوعة. والتنوع ينشئ الاختلاف في السياسة وفي الاختلاف صحة لأنه يدل على أن البشر أحياء ومستقلون احدهم عن الآخر. هم ليسوا نهرا فكريا واحدا ولكنهم روافد في أوقيانس البلد. وأنا لست أقول إن هذه الألوان لا علاقة لها بالعقائد التي تستلهم دينية كانت أم غير دينية ولكني أقول انك بهذه الألوان المختلفة ترسم لوحة البلد ولا ترسم لوحة بلد آخر.

فالكنيسة الجامعة كما نسميها ليس لها لون ثقافي واحد. لذلك ليس لها وجود سياسي في الدنيا ولا لها ارض واحدة. كذلك أمة المسلمين ليس لها وجود سياسي أو كيان عالمي إلا في ما يختص بالإيمان وأدبياته.

نتدارس إذاً أمور الدنيا في معيّشتنا وهذا الدرس له صورة وهي مجلس النواب وننفذ ما ندرسه في صورة وهي الحكومة كما نتدارس أمورنا في الصحافة والأحزاب وحلقات الفكر السياسي والأكاديميات وأنا واثق من أن العالمين والأفضلين خلقيا يستخرجون معا أفكارا متقاربة أو واحدة لتسيير البلد حتى تزول السياسة عندما يتجلى الله في اليوم الأخير.

المطران جورج خضر

نشرته صحيفة "النهار" في بيروت خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان

– صيف العام 2006

الأحد، 13 ديسمبر 2009

تاريخ القضية الأورثوذكسية في فلسطين..؟ إعداد: م. إميل الغوري

تاريخ القضية الأرثوذكسية
نضال مُستمر منذ 500 عام

إعداد : م. إميل الغوري
تٌعتبر الرعية العربية الأرثوذكسية في بلاد الشام عامة وفي الأردن وفلسطين خاصة، الأكثر عدداً بين العرب المسيحيين، بل فقد كانت في وقت ما تٌشكل أكثر من 99% من العرب المسيحيين الذين تعود أصولهم إلى الغساسنة والمناذرة والتغالبة في الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق وهم عرب أقحاح.
بالنسبة للأردن وفلسطين، فقد ابتدأت الكنيسة المقدسية على يد الأسقف يعقوب الرسول ابن يوسف النجار الذي استشهد في العام 62م على يد اليهود وخلفه شقيقه سمعان الذي اسُتٌشهد أيضاً على يد اليهود، وتعاقب على رئاسة أسقفية القدس والأراضي المقدسة (التي تحولت لاحقاً إلى بطريركية) العشرات من الأساقفة والبطاركة غالبيتهم الساحقة كانت من العرب أهل البلاد، ونذكر منهم البطريرك إيليا النجدي الذي رأس الكرسي البطريركي عام 494م والبطريرك صفرونيوس الدمشقي الذي رأس الكرسي البطريركي عام 634م الذي استقبل الخليفة عمر بن الخطاب، والبطريرك يوحنا الذي رأس الكرسي البطريركي عام 705م والذي منع الصلاة في الكنائس بأي لغة غير العربية. هذا بالإضافة إلى كل من البطريرك إيليا الثاني عام 750م والبطريرك الطبيب توما عام 786م والبطريرك المقدسي إيليا عام 868م والبطريرك من قيسارية أغانيوس عام 983م والبطريرك مرقس عام 1174م والبطريرك يواكيم عام 1431م والبطريرك مرقص الثالث عام 1501م وأخيراً البطريرك عطالله الذي رٌسم بطريركاً عربياً عام 1516م وكلهم عرب.
ولا بد لنا من التوقف عند حروب الفرنجة أو ما اصطُلح على تسميته (الحروب الصليبية) والصليب منهم ومن حروبهم براء، إذ كان للفرنجة (الذين يتبعون الكنيسة الكاثوليكية وهي غير الكنيسة الأرثوذكسية) أهدافاً اقتصادية استعمارية ألبسوها لبوساً دينياً، كما كان من الأهداف المعلنة إخضاع الكنيسة الأرثوذكسية المشرقية.

احتل الفرنجة بيت المقدس عام 1099م وقتلوا العرب الأرثوذكس كما قتلوا العرب المسلمين ونًًًصّبوا البطاركة اللاتين على القدس واحتلوا دار البطريركية الأرثوذكسية في القدس وطردوا البطاركة الأرثوذكس إلى القسطنطينية واستولوا على كنيسة القيامة والعديد من الكنائس والأديرة العربية الأرثوذكسية.
فتح صلاح الدين مدينة القدس عام 1187م بعد أن حكمها الفرنجة مدة 88 عاماً ولقي معاونة وتأييداً كبيراً من الأرثوذكس العرب بل إنهم حاربوا في جيش صلاح الدين الأيوبي ومنهم القائد الكبير عيسى العوّام.
إذن، فمما لا شك فيه أنّ الرئاسة الروحية للكنيسة الأرثوذكسية في الأردن وفلسطين ظلت عربية حتى القرن السادس عشر، أما الرعية (أبناء الكنيسة) فهم عربٌ منذ البدء وحتى يومنا الحاضر.
وبإستقالة البطريرك العربي عطالله عام 1534م انتهى عهد البطاركة العرب في البطريركية الأرثوذكسية في الأردن وفلسطين حيث أُنتخب البطريرك الجديد -جرمانوس اليوناني- الذي كان يجيد اللغة العربية التي درسها في مصر إجادة تامة وظل بطريركاً لحوالي 45 عاماً، و قد حصر خلالها الرئاسة الروحية بالعنصر اليوناني بتنصيب يوناني بدل كل أسقف عرب متوفي، وبعد تقدم العمر به، قام برسم البطريرك اليوناني الشاب صفرونيوس عام 1579 خليفة له الذي حاول الرجالات العرب الأرثوذكس الحيلولة دون تنصيبه وباءت محاولاتهم بالفشل. إن المحاولات والاجتماعات عام 1579 يمكن اعتبارها الإرهاصات الأولى للنهضة والقضية الأرثوذكسية.
خلف صفرونيوس اليوناني (وهو غير صفرونيوس العربي) بطريركاً يونانياً آخر هو ثيوفانس عام 1608م، فاحتج الكهنة وأبناء الرعية العرب ولكن السلطان العثماني إبراهيم دعم البطريرك فسجن بعضهم ونفى آخرين، ووضع ثيوفانس قانوناً ظالماً استمراراًً لنهج جرمانوس وصفرونيوس وهو(بأنه لا يسمح لأي من أبناء الكنيسة المقدسية الأرثوذكسية الوطنية بالوصول إلى أية درجة من الدرجات الأكليروسية أو الرهبانية).
وضع البطريرك اليوناني ذوسيثيوس الذي نُصب عام 1669م القانون الأساسي(لأخوية القبر المقدس) الذي يحظر قبول أي عربي أرثوذكسي من فلسطين وشرق الأردن في عضويتها وانتخاب بطريرك أو مطران من غير رجالها). هذا القانون العنصري المجحف ما زال سارياً حتى اليوم مع إستثناءات إسترضائية.
استمر تعاقب البطاركة والمطارنه اليونان حتى نهاية القرن التاسع عشر حين عزل المجمع المقدس البطريرك كيرلس بحجة علاقته بروسيا الأرثوذكسية وتأييده لها واستبدل بالبطريرك بروكوبيوس الثاني عام 1873م.
تأسست (الجمعية الأرثوذكسية الوطنية) وأرسلت وفداً إلى الأستانة عاصمة العثمانيين للاحتجاج على عزل أخوية القبر المقدس للبطريرك وقطعت الجمعية وجماهيرها كل علاقة لها مع أخوية القبر المقدس وسحبت اعترافها بالبطريرك ونسجت علاقات متميزة مع روسيا وظلت تمارس الضغوط على البطريركية ونجحت أخيراً بعزل البطريرك اليوناني بروكوبيوس.
أخذت الأمور منحى المد والجزر لحين صدور (قانون البطريركية الرومية الأورشليمية) عن السلطة العثمانية عام 1875م الذي قابله العرب الأرثوذكس بمزيد من المطالب.
أثمر احتجاج الرعية العربية الأرثوذكسية وجهود الجمعية الأرثوذكسية الوطنية والضغط المتواصل، فأضيفت مادة جديدة على مواد قانون البطريركية وأُلفت (نظارة عليا) برئاسة البطريرك نصفها من الرهبان اليونان والكهنة العرب والنصف الآخر من العلمانيين العرب ومهمتها الإدارة المشتركة. كما نجحت الجمعية بالسماح لأبناء الرعية العرب بدخول سلك الرهبنة في سائر أنحاء فلسطين والأردن و إتاحة الفرصة لهم للوصول لأعلى درجات الكهنوت.
وبعد وفاة البطريرك اياروثيوس -الذي تم في عهده تحقيق بعض المطالب وإضافتها على قانون البطريركية العثماني- نُصب البطريرك نيقوذيموس عام 1782م والذي أنشأ مدرسة مار متري ودكاكين وأبنية متعددة في باب الخليل وفي حي الدباغة في القدس. توفي البطريرك نيقوذيموس الذي أتهم بمحاباة الرعية العربية وبالعلاقات المتميزة مع الروس وقد تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة بإطلاق النار عليه من أحد رجال الدين اليونان عام 1890م. جاء البطريرك اليوناني جراسيموس فأعاد أبناء الرعية العرب مطالبته بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه وما التزم به البطريركان السابقان فأجابهم:
"إن منشور البطريرك اياروثيوس قد دُفن معه"
ثم جاء البطريرك اليوناني ذاميانوس عام 1897م.
عام 1908م، صدر الدستور العثماني/التركي ومن أهم بنوده انتخاب مجالس مليّة في مناطق السلطنة كافة وانتخبت أهم المجالس وأكبرها في مدينة القدس حيث قام المجلس بالتفاوض مع البطريرك اليوناني (دميانوس) وتم التوصل لتحقيق جزء معقول من المطالب الشرعية لأبناء الرعية العرب من أهمها تأليف (مجلس مختلط) مكون من أبناء الرعية الوطنيين ورجال الدين اليونان.
بالرغم من أن التسوية لم تحقق مطالب أبناء الرعية العرب إلا أن (المجمع المقدس) المكون من المطارنة ورجال الدين اليونان انقلب على هذا الاتفاق بل تمادى متهماً البطريرك اليوناني بمحاباة العرب فعزلوه ( وما أشبه اليوم بالأمس حين انقلب المجمع المقدس اليوناني على البطريرك المعزول ايرينيوس قبل ثلاث سنوات).
لم يرضَ أبناء الرعية العرب الوطنيون بالانقلاب وثاروا وشهدت مدن فلسطين كافة مظاهرات رفضت تصرفات المجمع المقدس اليوناني، وألف وفد رفيع المستوى من الشخصيات والزعماء توجه إلى (الأستانة) مطالباً بعدم عزل البطريرك.
استمرت المظاهرات واستولى العرب الأرثوذكس على دار البطريركية المقدسية وامتدت الانتفاضة لجميع المناطق وتمت السيطرة على جميع الأديرة عام 1909م، كما حصلت اشتباكات عنيفة مع القوى الأمنية العثمانية مما أدى إلى استشهاد أربعة شبان عرب أرثوذكسيين مقدسيين يعتبرون شهداء القضية الوطنية الأرثوذكسية، كما تم إبعاد العديد من زعماء الحركة الوطنية الأرثوذكسية إلى بيروت (مركز الولاية) آنذاك.
تم التوصل إلى تشكيل (المجلس المختلط) السالف الذكر نتيجة هذه المقاومة المستمرة والتضحيات، وعقد أول اجتماعاته عام 1910م وأعيد البطريرك داميانوس إلى موقعه رغماً عن (المجمع المقدس) اليوناني واستمر المجلس ثلاثة أعوام وأصدر قرارات لم ينفذ أي منها لتحايل دميانوس نفسه على جميع القرارات.
بعد احتلال بريطانيا لفلسطين والقدس عام 1917م أدرك المجمع المقدس اليوناني إمكانية عزل البطريرك داميانوس مرة أخرى بدعم من الإنجليز. فاتصل بالحكومة اليونانية متهماً البطريرك (بأنه يصبغ البطريركية يصبغة أرثوذكسية عامة ويغيّر من صبغتها اليونانية التي اتصفت بها منذ القدم الأمر الذي يمس حقوق أمتنا التقية القديمة ويعود عليها بالخراب).
المؤتمر العربي الأرثوذكسي الأول – حيفا 1923
في الظروف الصعبة التي كانت سائدة آنذاك والمتمثلة باحتلال بريطانيا لفلسطين والأردن والسيطرة اليونانية على الرئاسة الروحية، قامت سلطة الانتداب بواسطة مندوبها السامي بإصدار (قانون البطريركية الأرثوذكسية لعام 1921) والذي لم يراعي حقوق الرعية العربية فكان محبطاً ومخالفاً لآمالها الوطنية.
عام 1923 تداعت لمدينة حيفا الفلسطينية الوفود الممثلة لمدن وقرى فلسطين والأردن كافة حيث شاركت وفود من القدس، يافا، بيت لحم، الناصرة، رام الله، غزة، عكا وقضاؤها، نابلس، العفولة، عبلين، الرامة، كفر كنا، جنين، عيلبون، الزبابدة، كفر ياسيف، الرملة،عابود، بيت ساحور، بير زيت وجفنا والطيبة وطولكرم وبيسان وكذلك وفود الأردن من الحصن وتوابعها والسلط و توابعها والكرك و توابعها ومأدبا وعُقد (المؤتمر العربي الأرثوذكسي الأول) وانتخب السيد إسكندر كساب رئيساً وتمخض المؤتمر عن تشكيل لجنة تنفيذية عليا والعديد من القررات التي تشمل:-
تشكيل مجلس مختلط ثلثاه من العلمانيين الوطنيين وثلثه من الأكليروس (رجال الدين).
فتح مدرسة أكليريكية وإفساح المجال لأبناء الرعية من الارتقاء إلى أعلى درجات الكهنوت.
فتح مدارس في مناطق الأردن وفلسطين كافة.
المطالبة بانتخاب مجالس ملية محلية في جميع المدن والقرى الأردنية والفلسطينية.
المطالبة بفصل فوري لكل رئيس ديني لا يعرف لغة الشعب.
أن لا تتم سيامة أي شماس أو كاهن دون موافقة المجالس المليّة.
لا يحق للبطريرك تمثيل الملة الأرثوذكسية إلا بموافقة المجلس المختلط.
كما صدر القسم الأرثوذكسي: "إننا نقسم بالله العظيم وبصليب سيدنا يسوع المسيح الكريم وبإنجيله المقدس أن نحافظ بكل قوانا على قرارات المؤتمر الأرثوذكسي العربي الأول كافة التي سجلت وقائعه، وأن لا ننحاز إلى الأعداء المناهضين لهذه النهضة. وإن خالفنا هذا العهد نكون مسؤولين بين يدي الله ونشهده على ذلك".
لجنة برترام - يونغ
نتيجة لاستمرار الخلافات بين البطريرك اليوناني داميانوس والمجمع المقدس اليوناني ومع استمرار اعتراضات واحتجاجات أبناء الرعية العرب واللجنة التنفيذية المنبثقة عن المؤتمر الأرثوذكسي، شكّل المندوب السامي البريطاني لجنة خاصة لدراسة الموضوع برئاسة كبير القضاة أنطون برترام ومساعده يونج عام 1925. خرجت بنتائج أهمها إن الأرثوذكس ضحية تطور تاريخي بعكس الوضع الممتاز الذي يجب أن يكونوا عليه حيث هم سكان البلاد الأصليين موطن إنطلاقة الدين المسيحي، وتضيف اللجنة بأن أخوية القبر المقدس قد صبغت البطريركية بصبغة يونانية خلال الحكم العثماني الذي امتد 400 عام وهم يعتبرون بطريركية القدس وديعة بين أيدي الأمة اليونانية. ويعتبرون أنفسهم حامية يونانية أمامية دون النظر إلى مسؤولياتهم تجاه الأرثوذكس العرب.
وتوصي اللجنة بضرورة إزالة الآثار السلبية التي أحاطت بالعرب الأرثوذكس وتعديل القوانين بحيث تمنح العرب الأرثوذكس مزيداً من المشاركة في الإدارة، وأن يتمتع العرب بأغلبية الثلثين في (المجلس المختلط) والسماح بإلتحاق الأرثوذكس العرب بأخوية القبر المقدس وإصلاح المحاكم الكنسية وتعديل قوانين إنتخاب البطريرك.
وأخيراً قدمت اللجنة البريطانية مسودة قانون جديد للبطريركية ليحل محل القانون العثماني الساري آنذاك.
بالطبع، رفض اليونان جميع توصيات اللجنة بما فيها القانون وادّعوا أن هناك وضعاً قائماً لا يمكن تغييره إطلاقاً، وأن حكومة فلسطين البريطانية (الانتداب) ليس من حقها فرض أي قانون جديد.
أما العرب الأرثوذكس فقد طالبوا بتنفيذ هذه التوصيات موضع التنفيذ إضافةً لمطالبهم التي تمخض عنها المؤتمر الأرثوذكسي الأول في حيفا. واتخذت الأمور منحىً جديداً بوفاة البطريرك دميانوس عام 1931م ورفض العرب الأرثوذكس انتخاب بطريرك جديد إلا بعد تلبية حقوقهم التي طالبوا فيها مراراً وتكراراً.
المؤتمر العربي الأرثوذكسي الثاني – يافا 1931
ولتثبيت هذه الحقوق والمطالب فقد تم عقد المؤتمر العربي الأرثوذكسي الثاني في يافا عام 1931م بحضور المندوبين الممثلين لمدن وقرى فلسطين والأردن كافة وانتُخبت لجنة تنفيذية برئاسة السيد يعقوب فراج حيث تم التأكيد على جميع الحقوق والمطالب التي صدرت عن المؤتمر الأرثوذكسي العربي الأول إضافةً إلى التوصيات التالية:-
بما أن انتخاب بطريرك عربي في الوقت الحالي (رغم أنه من أعز أماني العرب الأرثوذكس) لا يمكن تحقيقه فعلينا السعي لتحقيق ذلك في المستقبل.
رفع احتجاج شديد اللهجة للمندوب السامي البريطاني لتدخل القنصل اليوناني السافر في شؤون البطريركية والأماكن المقدسة.
مقاطعة الانتخابات للبطريرك وعدم الاعتراف بأي بطريرك يتم انتخابه إلا بعد تحقيق الرعية لكامل حقوقها.
وبذلك توقف انتخاب البطريرك حتى عام 1935م عندما قامت سلطات الانتداب البريطاني بإصدار قانون البطريركية الأرثوذكسية رقم 25/1935، وظل موقف اللجنة التنفيذية على حاله برفض المشاركة في انتخاب البطريرك ومطالبة الكهنة العرب بالالتزام بقرار المقاطعة وعدم مشاركتهم بالانتخابات. قدمت جميعة النهضة العربية الأرثوذكسية في الأردن ممثلة برئيسها الشيخ عودة القسوس مذكرة للأمير عبدالله بن الحسين بالمطالب نفسها.
قامت سلطات الانتداب البريطانية بالتنكر لجميع تعهداتها ووعودها كعادتها وأصدرت قانوناً جديداً حمل رقم 26/1935 مُنعت بموجبه اللجنة التنفيذية من تقديم اعتراضات لدى المحاكم، تم انتخاب البطريرك اليوناني تيموثاوس، وتصاعدت الاحتجاجات والمطالب بعدم الاعتراف بالبطريرك وعدم ذكر اسمه بالصلوات والمطالبة بإغلاق الكنائس.
هادن البطريرك الرعية العربية وشُكلت لجنة مشتركة للوصول إلى حل ودي وثبت أن هدف المباحثات انتزاع الاعتراف دون تقديم أي مقابل. استمرت الاحتجاجات ومقاطعة البطريرك وجميع الاحتفالات الدينية مما استدعى تعليق المندوب السامي انتخاب البطريرك وأُلفت لجنة لبحث المشكلة مكونة من أعضاء من اللجنة التنفيذية من الأردن وفلسطين ورجال دين يونان.
ثبت فشل الاجتماعات الذريع فوجدتها السلطات البريطانية فرصة وأصدرت قانوناً جديداً عام 1941 مغيبة الرعية العربية الأرثوذكسية واعترفت بالبطريرك واستمر العرب الأرثوذكس بالاعتراض والاحتجاج.
المؤتمر العربي الأرثوذكسي الثالث – القدس 1944
تُوجت الاحتجاجات عام 1944 بعقد (المؤتمر الأرثوذكسي العربي الثالث) في القدس، الذي أكد على جميع مطالب الرعية الأرثوذكسية الواردة بالمؤتمرات السابقة ورفض القانون الصادر عن سلطات الاحتلال البريطاني، وانتخبت لجنة تنفيذية جديدة برئاسة السيد عيسى العيسى.
المؤتمر العربي الأرثوذكسي الرابع – القدس 1956
بقي الوضع على ما هو عليه حتى حلول النكبة الكبرى عام 1948م والوحدة بين الأردن وفلسطين عام 1950م. أخذت الأمور تتأرجح بين مد وجزر حتى وفاة البطريرك تيماثاوس حيث عُقد المؤتمر الأرثوذكسي العربي الرابع عام 1956م في القدس، وهو أول مؤتمر يعقد بعد وحدة الضفتين تحت الحكم العربي الهاشمي وبوجود موقف رسمي وشعبي عام متضامن بالكامل مع مطالب العرب الأرثوذكس واعتبار القضية الأرثوذكسية جزءاً لا يتجزأ من القضية العربية الوطنية، فصدرت التوصيات التي تتفق مع جميع التوصيات والقرارات السابقة، وشُكلت لجنة تنفيذية جديدة برئاسة السيد أنطون عطالله فُوضت بالسعي لإصدار تشريع يحل محل التشريعات السابقة العثمانية والبريطانية بحيث تكفل هذه التشريعات تحقيق مطالب الرعية العربية وإقرار حقوقها التاريخية.
نجحت اللجنة التنفيذية بالتعاون مع حكومة السيد سليمان النابلسي بإصدار قانون 1957 بإسم (قانون البطريركية الأرثوذكسية) أُقر من مجلس النواب ثم مجلس الأعيان لكنه سُحب -قبل استكمال المراحل الدستورية- من قبل حكومة سمير الرفاعي واستُبدل بقانون آخر حمل رقم 27/1958.
وللتاريخ، فإن قانون 1957 الذي أُقر من قبل الحكومة التي ترأسها النابلسي قد كان قانوناً متوازناً أعاد الحقوق إلى مستحقيه. ومن يقرأ الأسباب الموجبة التي تقدمت بها الحكومة يجد أن هذه الحكومة قد فهمت الوضع التاريخي وجذور القضية الأرثوذكسية حيث قالت:(تعتبر الحكومة الأردنية أن الوقت قد حان لوضع حد لهذا النزاع الطويل ومنح الطائفة العربية حقوقها الطبيعية العادلة).
تقدم رئيس اللجنة التنفيذية آنذاك بمذكرة طويلة للحكومة الأردنية وضح فيها المحاذير من إقرار هذا القانون (قانون 27/1958) لكن أحداً لم يهتم.
رغم أن قانون 27/1958 لا يلبي طموحات وحقوق الرعية العربية إلا أن رجال الدين اليونان لم يطبقوا هذا القانون بشكل كامل منذ صدوره عام 1958 وحتى اليوم.
أُنتخب البطريرك اليوناني فينيذكتوس الذي اضطر لتنفيذ أجزاء من قانون 27/1958 فشكّل مجلس مختلط أُنتخب عام 1962 كما أانتخبت المجالس المحلية في المدن الأردنية / الفلسطينية عام 1966 وجاء عام 1967 واحتُلت كل فلسطين والقدس فوجد البطريرك الفرصة سانحة لتجميد نشاط المجلس المختلط والمجالس المحلية.
بقي الوضع على ما هو عليه خصوصاً باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين -داخل الخط الأخضر وكذلك الضفة الغربية والقدس وغزة - حتى وفاة البطريرك فينيذكتوس عام 1980. دعت أخوية القبر المقدس إلى انتخاب بطريرك جديد فهب رجالات الأرثوذكس العرب في الأردن وفلسطين للتصدي للموضوع ورفضوا إجراء الانتخابات وطالبوا بضرورة تحقيق مطالب أبناء الرعية العرب خصوصاً إيقاف تسرب الأراضي والأوقاف الأرثوذكسية إلى اليهود، والكشف عن الصفقات السرية وإبطالها بعد معرفة العديد من الصفقات التي تمت بالتأجير لمدة (99) عاماً.
رغم هذه المواقف والاعتراضات منحت الحكومة الأردنية العديد من الرهبان اليونان الجنسية الأردنية ليتمانتخاب البطريرك رغم أنف الرعية العرب وأصبح (ذيوذوروس) بطريركاً للكنيسة المقدسية الأرثوذكسية، الذي كان قد قدّم تعهدات ووعود كثيرة للرعية الأرثوذكسية العربية أهمها عدم بيع أو تأجير أي شبر من أملاك البطريركية إضافةً إلى تسهيل انخراط الأرثوذكس العرب في سلك الرهبنة وأخوية القبر المقدس وإِشراك الرعية الأرثوذكسية في اتخاذ القرارات.
تشكلت لجنة مشتركة للبحث في تنفيذ هذه الالتزامات لكن دون جدوى حيث استمر التعنت اليوناني وتسرب الأراضي وبقي الحال على ما هو عليه رغم اعتراض الرعية العربية ومحاولاتهم العديدة لمنع تسرب الأراضي.
توالت المعلومات عن بيوعات وتأجيرات طويلة الأمد للعدو الصهيوني، منها الإستيلاء على دير مار يوحنا وإقامة إسكانات يهودية على الأراضي الأرثوذكسية بيافا إضافةً إلى تسريب مئات الدونمات من أراضي مار إلياس قرب القدس لوزارة الإسكان اليهودية وقضايا عديدة أخر مماثلة.
المؤتمر العربي الأرثوذكسي الخامس – عمان 1992

واصلت الرعية الطلب من البطريرك ضرورة عقد المجلس المختلط لكن ذلك لم يتحقق مما استدعى قيام لجنة المبادرة العربية الأرثوذكسية – القدس بالدعوة لعقد (المؤتمر الأرثوذكسي العام الخامس) في عمان عام 1992.
عُقد المؤتمر بحضور الممثلين والمندوبين من جميع المدن والقرى الأردنية والفلسطينية بشقيها (داخل الخط الأخضر وفي القدس والضفة وغزة) واتخذ المؤتمر شعاراً له هو (من أجل نهضة أرثوذكسية شاملة).
شُكل مجلس مركزي أرثوذكسي في الأردن وفلسطين اعتُبر ممثلاً شرعياً لأبناء الرعية العرب الأرثوذكس في مواقع البطريركية كافة، إضافة لتشكيل لجنة تنفيذية عليا برئاسة الدكتور رؤوف أبو جابر.
أعاد المؤتمر الأرثوذكسي الخامس التذكير بالمطالب والحقوق المسلوبة كافة ومن أهمها عدم التفريط بحقوق البطريركية أو تأجير ممتلكاتها إضافةً لضرورة التحسين المستمر للكنائس والمدارس والمحاكم مع السماح لأبناء الرعية العرب بدخول سلك الرهبنة والتأكيد على الوحدة الوطنية المسيحية والإسلامية.
استمرت الضغوط الشعبية والمحاولات الأرثوذكسية العربية لكنها لم تحقق النجاح المطلوب، إذ عمد البطريرك إلى المهادنة حيناً والمجابهة حيناً آخر، واستغل التناقضات بين الحكومة الأردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية (السلطة لاحقاً) و أخذ يعمل على نسج علاقات مشبوهة مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
ازدادت الأمور سوءاً على خلفية استمرار تسرب وبيع الأراضي لليهود والإهمال المستمر للأمور الكنسية والروحية كافة مما أدى عدم إحداث نهضة روحية أرثوذكسية.
عام 1999 توفي البطريرك (ذيوذوروس) وتم انتخاب بطريرك يوناني آخر هو (إيرينيوس) بعد حملة انتخابية هابطة بينه وبين المرشح الآخر ثيموثاوس مما أدى إلى حدوث شرخ كبير داخل أخوية القبر المقدس اليونانية.
رغم وعد البطريرك المنتخب إيرينيوس الرعية العربية بالتغيير وإجراء الإصلاحات وتلبية العديد من المطالب، إلا أنه اتعد عن الرعية كأسلافه جميعاً وتفرغ للمهاترات الداخلية وتصفية الحسابات الانتخابية بين رجال الدين اليونان أنفسهم وبعض العرب المرتبطين بهذا المرشح أو ذاك.
نشرت جريدة معاريف (الإسرائيلية) أنباءً لصفقات باب الخليل في القدس بخصوص بيوعات / تأجير 99 عاماً لأماكن مهمة هي فندق السان جون / سوق الدباغة وفندق أمبريال/ساحة عمر بن الخطاب وفندق بترا.
ثار أبناء الرعية العرب عند ذيوع أنباء التأجير وشهدت الأردن وفلسطين اعتصامات وعقدت مهرجانات. بدأت خيوط القضية تتضح بعد تشكيل لجنة تحقيق قانونية منبثقة عن السلطة الوطنية الفلسطينية إستمرت شهوراً توصلت بعدها لاستنتاجات كثيرة أهمها أن البيوعات/التأجير تمت بواسطة رجل يوناني متزوج يهودية اسمه بابديموس –لديه وكالة من البطريرك- قام بعقد عملية البيع/التأجير وقبض العربون. امتدت الاحتجاجات ورُفعت مطالب للبطريرك بضرورة إلغاء الصفقات. و بسبب الضغط الشعبي و الحكومي وضعف البطريرك اضطر المجمع المقدس وأخوية القبر المقدس (ضمن الخلافات السابقة) التضحية بالبطريرك وتنحيته و ساد اعتقاد بأن الرعية خلعت البطريرك وبهذا حققت انتصاراً لا بد لها من جني ثماره وتحقيق المطالب الشعبية.
أكد البطريرك الجديد ثيوفولوس والمجمع المقدس اليوناني مراراً وتكراراً بأن عزل وتنحية إيرينيوس لم يتم بسبب صفقة باب الخليل في القدس وأكدوا أن البطريرك والمجمع يعاملان الجميع بتساوٍ بغض النظر عن العرق أو اللغة أو الجنس. إذاً لا مانع من البيع أو التأجير لليهود.
استمرت الضغوط الشعبية مما دعا الحكومة الأردنية والسلطة الفلسطينية إلى إلزام المرشحين الجدد للموقع البطريركي خاصةً الفائز منهم بالعديد من التعهدات والالتزامات.
وقع المرشحون الالتزامات كافة للحكومتين الأردنية والفلسطينية ومن أهمها قيام المرشح الفائز (البطريرك لاحقاً) بكل الإجراءات القانونية لإلغاء صفقات باب الخليل وتنفيذ القانون الأردني رقم 27/1958 والتعهد بدعوة المجلس المختلط للإنعقاد خلال شهر واحد من تاريخ انتخابه والقيام بجرد ومسح هندسي لأملاك البطريركية كافة وعدم منح وكالات إلا بموافقة المجلس المختلط الذي يضم ممثلين عن أبناء الرعية العرب.
انتخب المجمع المقدس اليوناني بالإجماع البطريرك ثيوفولوس عام 2005، وبدأ أبناء الرعية والمؤسسات الأرثوذكسية كافة مطالبته بتنفيذ تعهداته المعلنة والموقعة.
نكث البطريرك كالمعتاد بعهوده كافة و لم يقم بأي إجراء قانوني لاستعادة عقارات باب الخليل في القدس، أو دعوة المجلس المختلط بإبداء حججاً واهية وأدلى بفتوات قانونية –غير ذات صلة- رابطاً عدم وفائه بعهوده بعدم حصوله على الاعتراف الإسرائيلي. حيث اتخذت الحكومة الصهيونية موقف الابتزاز المزدوج للبطريرك المعزول والبطريرك المنتخب وتأخرت بمنح الاعتراف لحين حصولها على مقابل.
تنادى ممثلو الرعية الأرثوذكسية العربية في الأردن وفلسطين وداخل الخط الأخضر بتاريخ 2/5/2007 لعقد اجتماع جامع في عمان شارك فيه رجال الدين العرب "المطران عطالله حنا والأرشمندريت خريستوفوروس عطالله والأرشمندريت ميليتيوس بصل" والعشرات من المؤسسات الأرثوذكسية ذات التمثيل الكبير والوجود القعلي على الأرض وأكد المجتمعون على المطالب التاريخية للحركة الأرثوذكسية –المطالب نفسها منذ مئات السنين- كما طالبوا الحكومتين الأردنية والفلسطينية بسحب اعترافهما بالبطريرك وعدم التعامل معه وعدم منح أي بطريرك قادم الثقة إلا بعد تنفيذ المطالب والتعهدات كافة، فاستجابت الحكومة الأردنية وسحبت الاعتراف بالبطريرك ثيوفولوس حتى ينفذ كل ما تعهد والتزم به.
الضغوط اليونانية والأمريكية المتواصلة وسياسة التفرقة التي إتبعها البطريرك ومحاولته وبعض معاونيه إظهار الرعية بأنها منقسمة، استدعت إعادة اعتراف الحكومة الأردنية بالبطريرك اليوناني ثيوفولوس.
بعد سنتين من انتخابه حصل البطريرك ثيوفولوس على اعتراف العدو الصهيوني وُسربت محاضر اجتماعاته مع اللجان الوزارية الإسرائيلية وفيها تصريحات خطيرة منها الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على القدس والبطريركية وتعهده بتنفيذ الصفقات العالقة لصالح المستوطنين اليهود وقول محاميه إن الإسرائيليين هم الأسياد، كما وُضحت العديد من الحقائق وتوالت معلومات بتسريب أراضي داخل فلسطين مثل قضية الشماعة والتنازل عن أملاك البطريركية في أمريكا الشمالية.
مما يؤسف له حالياً أن البطريرك (وبسبب حسن نية بعض أبناء الرعية ولأسباب أخرى وأجندات خارجية وداخلية) قد إجتذب مجموعة من المؤيدين، الذين يحاولون دون جدوى الدفاع عنه مع إصرارهم على محاولة تفريغ القضية الأرثوذكسية من مضمونها الوطني النهضوي والتعامل معها وكأنها قضية أبناء الرعية العربية الأرثوذكسية فقط مع العلم بأن هذه القضية تخص أبناء الأمة جميعاً فيما يتعلق بالمحافظة على الأملاك والأوقاف العربية الأرثوذكسية ووقف تهويدها وتسريبها إلى الجماعات الإستيطانية الصهيونية.
الجمعية الأرثوذكسية والمجلس المركزي الأرثوذكسي في الأردن وفلسطين وجميع المؤسسات والفعاليات الأرثوذكسية الرسمية والشعبية ما زالت محافظة على مواقفها ومطالبها وحقوقها، ولن تتنازل قيد أنملة عن الحقوق التاريخية التي ناضل وجاهد الآباء والأجداد في سبيلها منذ عام 1534م -عند استيلاء جرمانوس على هذه البطريركية الوطنية المشرقية - لا يمكن التنازل عنها وهي غير قابلة للتفاوض.
ُعقد أخيراً في عمان بتاريخ 28/1/2008 مؤتمر موسع جامع حضره ما يزيد عن 200 شخصية أرثوذكسية من الأردن وفلسطين وداخل الخط الأخضر ممثلين للجمعيات العاملة،الأندية، الاتحادات ولجان المناطق من محافظات المملكة كافة، وقد أكد الحاضرون على الثوابت والمطالب وأن الأوقاف الأرثوذكسية ملك للأمة لا تباع وهي خط أحمر، كما أكدوا على عمق العيش المشترك المسيحي الإسلامي وطالبو بالنهضة الأرثوذكسية وضرورة دعوة البطريرك للمجلس المختلط للانعقاد الفوري كما طالبوه بتنفيذ تعهداته كافة.
خلاصات واستنتاجات وتوصيات
بعد استعراض ودراسة هذا الملخص والتسلسل التاريخي للكنيسة الأرثوذكسية وواقعها الحالي وبعد تتبع الانتفاضات النهضوية العربية الأرثوذكسية طوال 500 عام، لا بد لنا من استخلاص نتائج وحقائق ودلالات أهمها:
مفهوم الكنيسة بحسب العقيدة الأرثوذكسية هو مجموع المؤمنين من رعية وإكليروس (رجال دين) مما يعني أن هذه الكنيسة ذات صبغة تماثل الغالبية العظمى من مكوناتها وهم العرب الأرثوذكس الذين يمثلون أكثر من 99%. لذا فإن الحديث عن تعريب الكنيسة في غير محله، لأن الكنيسة المقدسية عربية أساساً.
وبما أن الدين المسيحي دين جامع وأممي للإنسانية جمعاء فإن الكنيسة المقدسية الأرثوذكسية مفتوحة بشكل كامل لأي قوميات أخرى مثل اليونان والروس وغيرهم. والأرثوذكس العرب لم يكونوا أبداً عنصريين فقد رحبوا بجميع القوميات وقبلوهم بشكل كامل إلا أن الآخرين هم الذين تعاملوا مع العرب بعنصرية وما زالوا يمارسون العنصرية ويتعالون في تعاملهم إلى يومنا هذا.
إن الحديث عن هوية الكنيسة يطال الرئاسة الروحية لا الرعية العربية ويبين التاريخ الأرثوذكسي أن الرئاسة الروحية للكنيسة الأرثوذكسية المقدسية كانت عربية منذ العصور الأولى للمسيحية وحتى القرن السادس عشر عندما نُصب اليوناني جرماونس بطريركاً وعمل على صبغ الرئاسة الروحية بالصبغة اليونانية واستمر الوضع من يومها وحتى يومنا الحاضر.
أبناء الرعية العرب الأرثوذكس لم يتوقفوا عن النضال والمقاومة ومحاولات النهضة منذ استيلاء جرمانوس على الرئاسة وحتى وقتنا الحاضر. فقد انتفضوا عدة مرات وتواصلت احتجاجاتهم الشعبية طيلة الخمسة قرون الماضية وقدموا الشهداء على مذبح قضيتهم العادلة، ولم يهن أبناء الرعية ولم يستكينوا بل استمر بالنضال والكفاح جيلاً بعد جيل وهم على استعداد لمواصلة الكفاح والجهاد.
طيلة القرون الخمسة الماضية تشكلت قيادات شرعية عربية أرثوذكسية قادت الشعب وحاولت الحصول على الحقوق أو بعضها، وعززت القيادات وجودها بمؤتمرات أرثوذكسية جامعة مع وجود القلة القليلة المرتبطة بالرئاسة الروحية اليونانية لأسباب عدة ظلت معزولة وغير مؤثرة لأنها رفضت شعبياً لارتباطاتها المشبوهة.
استخدمت القيادات الأرثوذكسية على مر التاريخ جميع الإمكانيات المتاحة سواء كانت دبلوماسية، سياسية، انتفاضات شعبية أم مقاومة مدنية بالمجابهة حيناً والتفاوض أحياناً أُخر فشهدت الحركة الأرثوذكسية بعض النجاحات المحدودة، ولم تتحقق الإنجازات الكبرى المطلوبة لأسباب مختلفة مرتبطة بالسياقات التاريخية والسلطات السياسية الحاكمة على مر العصور المتعاقبة.
خلال ألـ 500 سنة المنصرمة شهدنا تحالفات معلنة وسرية بين السلطات المختلفة التي أدارت فلسطين والأردن وبين الرئاسة الروحية اليونانية حيث كان التحالف دائماً ضد مصالح وحقوق أبناء الرعية العرب وقمع انتفاضاتهم المتكررة.
يتضح ذلك جلياً خلال الحكم العثماني (الإسلامي) والحكم البريطاني (المسيحي) والاحتلال الصهيوني (اليهودي). بينما خلال سيادة السلطة السياسية العربية كان أبناء الرعية العرب أقرب ما يكونون لتحقيق آمالهم والحصول على مطالبهم وحكومة سليمان النابلسي عام 1957م أبلغ دليل على ما نقول.
لذا فإن حل القضية الأرثوذكسية وتحقيق أماني ومطالب أبناء الرعية لن يتحقق بشكل كامل إلا بتحقق السيادة العربية على فلسطين والقدس. فالارتباط أساسي بين القضية الأرثوذكسية والقضية الوطنية العربية لأن القضية الأرثوذكسية قضية وطنية بامتياز.
إن المتتبع للانتفاضات المتكررة والمؤتمرات الأرثوذكسية المتتابعة وتوصياتها يجد أن المطالب والحقوق نفسها لم تتغير منذ 500 عام وتشمل: الحفاظ على الأوقاف الأرثوذكسية ورفض بيعها أو تأجيرها باعتبارها ميراثاً عربياً أرثوذكسياً وخطاً أحمر لا يحق لأي كان تجاوزه، والمطالبة المستمرة بالنهضة الروحية الأرثوذكسية والسماح بدخول العرب سلك الرهبنة والمشاركة في الإدارة عبر المجلس المختلط للحد من الفساد.
المطالب التي بدأت في القرن السادس عشر هي نفسها التي ذكرت في المؤتمر الأرثوذكسي الخامس عام 1993 في عمان وهي نفسها قرارات مؤتمر عمان في أيار 2007 والمؤتمر الموسع في كانون الثاني 2008 المنعقد في عمان وهي الحد الأدنى الذي يقبل به الأرثوذكس العرب وهي مطالب جماعية غير قابلة للتصرف ولا يحق لأي كان التنازل عنها أو عن أي جزء منها فهي حقوق تاريخية لا تزول بالتقادم أو لأي سبب آخر و هي قائمة إلى أبد الآبدين.
عدم تحقيق المطالب وإحقاق الحقوق رغم النضال الطويل للرعية العربية لا يعني بأي حال التخلي عنها أو الاستكانة للأمر الواقع وقبول الذل والمهانة والخضوع للعنصرية. فقد رفض أبناء الرعية العرب الأرثوذكس المهانة والظلم طوال 500 عام وسيستمرون بالنضال ورفض التسويات المذلة رغم أن الأوضاع الآنية قد تبدو غير مواتية لتحقيق الإنجازات الكاملة.
إن مواصلة النضال واستمرار الصراع ورفض الاستكانة يُبقي الباب مفتوحاً للأجيال القادمة لتحقيق جميع هذه المطالب وإقرار الحقوق الطبيعية فإن توقف النضال فستمعن الرئاسة الروحية في تماديها وفي تصرفاتها المشبوهة روحياً ووطنياً، لذا فالنضال مستمر على الأقل لضبط الأوضاع الآنية وفتح نوافذ الأمل للمستقبل.
كما أن تحقيق المطالب العربية الأرثوذكسية مرتبط بشكل عضوي وجوهري بقضايا الأمة العربية الكبرى فالقضية الأرثوذكسية الوطنية لن تحل نهائياً إلا بحل القضية العربية.

العرب المسيحيون والمسلمون أبناء أمة واحدة وأبناء وطن واحد، وقد ثبت ذلك بموقف المسلمين العرب خلال الأحداث المهمة الخاصة بالقضية الأرثوذكسية طوال 500 عام، فبدءاً من الجمعيات الإسلامية المسيحية في القرن العشرين في فلسطين، ثم المؤتمر الإسلامي العام لبيت المقدس ومواقف جلالة الملك عبدالله الأول ابن الحسين المعظم وسماحة مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني والرئيس الشهيد ياسر عرفات إضافةً إلى المواقف الحالية لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، والمؤتمر القومي العربي والمؤتمر العربي الإسلامي والقوى والأحزاب الأردنية كافة ومؤسسات المجتمع المدني، والقوى والفصائل الوطنية والإسلامية الفلسطينية.
فإن هذه المواقف تؤيد بشكل كامل ومطلق جميع المطالب العربية الأرثوذكسية وتعتبر القضية الأرثوذكسية جزءاً من القضية الوطنية.
لذا فإن جميع أبناء الأمة وقواها الحية وحكوماتنا الوطنية مدعوة لتقديم كافة أشكال الدعم كافة كذلك المساندة والمشاركة حيثما يلزم لتحقيق بعض التوازن ضمن معادلة التوازن المختلة لصالح الرئاسة الروحية اليونانية المعتمدة على الدعم الصهيوني والأمريكي المباشر.
تأخرت العدالة مئات السنين رغم وضوح القضية الأرثوذكسية وعدالتها، ولكن إرادة الشعوب الحية وإصرارها على نيل حقوقها ومنطق التاريخ ينبئنا بأنه لا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر.
يقول السيد المسيح "من له أذنان للسمع فليسمع"

المراجع :
خلاصة تاريخ كنيسة أورشليم الأرثوذكسية، تأليف شحادة خوري ونقولا خوري.
طائفة الروم الأرثوذكس عبر التاريخ، تأليف حنا عيسى ملك.
فلسطين عبر ستين عاماً، تأليف إميل الغوري.
لمحة تاريخية في أخوية القبر المقدس اليونانية، تأليف الأسقف رفائيل هواويني
نبذة عن تاريخ القضية الأرثوذكسية في الأردن وفلسطين بين عام 1925 – 1992 "د.رؤوف أبو جابر"
تقرير لجنة برترام – يونغ البريطانية.
مقررات المؤتمرات الأرثوذكسية و وثائق مختلفة مثبتة.

السبت، 5 ديسمبر 2009

دعاة الصوفانية؛ عقول مغلقة في صورة الحملان ؟!


منتديات الشبكة الأرثوذكسية العربية الأنطاكية - منتدى الشبيبة الأرثوذكسية > الإيمان والعقائد الأرثوذكسية > البدع والهرطقات
من هو الذي يظهر في الصوفانية؟
دعاة الصوفانية عقول مغلقة في صورة الحملان؟
أخ أليكسوس الحبيب كنت قد أزمعت الكتابة إليك بحثا مطولا عما يطلع فيه علينا كل يوم دعاة الصوفانية من طروحات استفزازية ولكنني قد وجدت هذا عبثا، إذ أن هذا قد يحتاج إلى أن نضع أمامهم ما جاء في الكتب المقدسة من سفر التكوين في بدء الخليقة وما اجتهدت به الكنيسة بنعمة الروح القدس حتى يومنا هذا، لذا صرفت النظر عن الموضوع، لآن كل هذا موجود في التعليم عن وصايا الرب، ولكن أن يجهل أحد فليجهل، لذا آثرت الكتابة إليك حول ما تفضل به الأخ بول مؤخرا ولم أكن قد اطلعت عليه عندما كتبت إليك أولا، لكنني علقت ببعض الكلمات مبديا دهشتي مما يقوله هذا؟،
لذا حاولت الكتابة إليك ليلة قرأت ما أورده المدعو بول وعما تفضل به مباشرة على الموقع الأورثوذكسي، إلا أنه كالعادة تعطل الحاسوب بعد أن أشرفت في الكتابة حتى النهاية، وليس من وسيلة ليحفظ المرء ما يكتبه مباشرة على الموقع وهكذا ضاع ما كتبت.أخ أليكسوس نعمة ربنا يسوع المسيح معينا لك في تحملك مشاق الجهاد والصبر على ما يفعل هؤلاء من أعمال وما ينطقون به من أقوال، نعلم بأنها ليست من موضع الجهل والابتعاد عن الإيمان وإلا لكنا صلينا لهم، فمراحم الله عظيمة، ولكن من موقع الخبث الشرير كون الشيطان قد تلبسهم وأصبحوا أداة طيعة لأعماله،
أخ بول: هداك الله ونزع عنك لبوس الشيطان فهو القدير، ما هذه الفرشخة الواسعة والنط على الحبال، فمن طبيعة الأمور أن يستشعر المؤمن مكامن الخطر فيحاول التصدي وهكذا فعل الأخ أليكسوس، وليس هذا إعجابا بجهبذتك أو اهتماما بما تقوله وهو من الشيطان، ولكن عملا بوصايا الكنيسة، ألم يتذكر التلاميذ ما هو مكتوب فقالوا:"غيرة بيتك أكلتني"عندما صنع السيد له المجد سوطا من الحبال وطرد تجار الهيكل، وهنا لا نحاول أن نمثل أحدا بحياة المسيح له المجد فيصير من المسحاء الكذبة، وإنما عملا بوصايا الرب، فكان سوط الأخ أليكسوس من أنوار السيد ذاته ليكشف ما تضمره الظلمة من مواضع الخبث بما فيهم أنت.
أخ أليكسوس: هكذا هو عهد أبناء الخطيئة فإنهم دائما بكل خبث يتحدثون، فإن سارعت إلى الرد على أصحاب البدع انتفخوا وعدوها معرّة عليك ومكرمة لهم ودلالة على شطارتهم، حتى أن غرورهم يدفعهم لأن يحسبوك قد آمنت بما يقولون، ألا يعلم هو وشلته أن القدير قال: كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الإثم- عبر: 1 – 8 – 9
فليست المسألة أن ننجح في الكذب على العباد وأن نصنع الإثم، بل الشطارة كل الشطارة أن نصنع كل بر، ومن منطقهم المرفوض يعملون فبعد أن سرقوا الملكوت (وحاشى أن يُسرق) لكنهم هكذا يظنون يعدون التجارة بكنيسة المسيح عمل صلاح وكل بر، فيختلقون الأحداث ويدعون المعجزات ويبتدعون لها الصلوات ويرفعونها إلى شيطانهم كي يصنعوا من خلالها كل الشرور والموبقات، أليس هذا دينونة لهم، فالنور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور. كل من يعمل السيئات يبغض النور. ولا يأتي إلى النور كي لا توبخ أعماله. وأما من يفعل الحق فيقبل إلى النور لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولة يو – 3 : 19 -20 -21
أما من حيث التصرفات الخاطئة المسيئة التي تتحدث عنها أخ بول؛ فنحن نعرف من يسيء إلى الله والكنيسة، فهؤلاء الذين تتحدث عنهم لم يتبلغوا والتبليغ هنا يجب أن نفهمه في منطوق الوعي، إذن فهؤلاء لم يزالوا يتحدثون من خارج كنيسة الله من الموقع المقابل لتعاليم الكنيسة، ويظهرون لها العداء جهارا ليلا ونهارا، فهؤلاء يتحدثون بما يجهلون، فليس هنالك إذن من إساءة أو خوف على أبناء الكنيسة المحصنين بنعمة الروح القدس، فهم من مفهومهم يتحدثون وقد يعدونه بحسب تعليمهم ثوابا لهم، قد يكون هنالك بعض القصور من رجال الكنيسة في إيصال كلمة الحق لهؤلاء، وعندما تصلهم يصبحون في الإيمان، عندها قد يسبقوا إلى الملكوت من كان تبلغ ورفض وعاد إلى المعصية يا أخ بول، ولكن حين يأذن الله: لأن لا أحد يأتي إلى الابن إن لم يجتذبه الآب، أما الخوف كل الخوف هو من الشرير الذي يعمل في الظلمة ويستعير لبوس الملكوت ليظهر بالأنوار، هكذا أتى الشيطان إلى آدم وخاطبه بمنطق المعرفة قال له إن عرفت صرت مثل الله، واستخدم الحية أحيل مخلوقات الأرض، وهكذا سقط آدم الأول في المعصية، وأول معرفته أنه عريانا، هكذا يستخدمكم الشيطان، وهكذا تستخدمون أنتم رموز الكنيسة، صور العذراء والصلوات، بعد أن جهدت الكنيسة في نشر معانيها، تستخدمون الملكوت فتصنعون عذراء لكم ومسيحا لكم وتقولانه ما تريدون، ثم تقولون للخلق انظروا هذا هو المسيح وهذه هي العذراء لقد ظهرتا بعد أن افتقد الله القدير أبناءه، ثم تقولان بلسان ما تزعمون ما ترغبون: فتخاطبون بوقاحة أبناء الكنيسة وتقولون لهم: ما لكم والكنيسة القائمة (إن رعاتها أنجاس)، فترجمون بحجارتكم الشيطانية كنيسة الله، والمؤمنين الغيارى على كنيسة المسيح أليس هذا ما تفعلونه، أليس هذا من عمل الشيطان؟ أتعدون هذا كرازة؟، إذن ليس مسارعة الأخ أليكسوس إلى الرد هو إعجاب بكم (وبتعاليم الصوفانية) كما تتخيلون ويصوره غروركم.

أنت تسمي جماعة الصوفانية (العائلة) مجموعة صغيرة، أصغيرة كانت أو كبيرة إنما العبرة بالأعمال أهي (خيرة أم آثمة) فالموقع كما لاحظت: يخاطب نتائج الأعمال؛ أما بعد ما يقارب الثلاثين سنة من الجهد الشيطاني، ولم تزل صغيرة، إنما هذا يجب أن تأخذ منه أنت ومجموعتك عبرة، ودلالة على رسوخ الإيمان المسيحي القويم بين أبناء الكنيسة وعلى سهر الرعاة برعيتهم، وأن هذا لا يمكن أن يتأتى دون نعم الله من ملكوته وحلول الروح القدس على مؤمني الكنيسة وشفاعة والدة الإله كلية القداسة، وإثبات على ما لا يدحض: أن الكنيسة فعلا هي كنيسة الله بناها السيد المخلص وأن أبواب الجحيم لن تقوى عليها، ومن ثم ألا يكفي أن تدافع عنها(عن صوفانيتك) أنت يا أخ بول وزمرتك بما تملكون من أيادي طولى؟ أما التشهير فلا أحد يشهر، فنحن نقول حتى أقل من الحقائق التي يعرفها القاصي والداني إذ لا شيء يخفى، والناس محيطون بما تفعلون من إثم، فيعرفون ويخبرون وهم أقرب إليكم مما تظنون، فالشمس لا يحجبها غربال। أما الدفاع عن الكنيسة بما لديها من بينات ضد الهرطقة ومن جهد الآباء والغيورين مشكورين في توجيه الناس للتمييز بين الحق والباطل، فمن الطبيعي أن تعدوا هذا تشهيرا، إذ لا ذنب للكنيسة في ذلك، قوموا طرقكم فلتكن مستقيمة। ثم إفتح الأنترنيت قليلا: فترى عشرات المواقع التابعة لكم، تتحدث بنفس المحتوى والعبارات بما يشير إلى أنها طالعة من مصدر واحد، وهي مع (أي تتحدث لغة الصوفانية) بينما الموقع الأورثوذكسي ومن يأخذ عنه لا يشير إليه محرك البحث إلا قليلا ومع هذا فالموقع الأورثوذكسي هو الذي يقرأ، على ماذا يدل ذلك؟ أتريد إخفاء الحقائق أيضا عن الناس، كي تستمر في اللعب على الناس، إن القائمين على الموقع يدافعون عن دينهم وإيمانهم وهو حياتهم وحياة كل المؤمنين، ووجه الحقيقة بالذي تفعلونه: يطالكم جزاء السلطات الزمنية لأنكم تخلخلون مجتمعا بدونه لا تصح الدولة، وبمعنى آخر فإنكم تهدمون دولا وتنقلون مجتمعات من الصلاح إلى الطلاح، أما أنت فعلى من تدافع يا أخ بول: أنت وزمرتك ابتدأتم بالمعاول، ألا يحق لأصحاب البناء أن يقولوا لكم هذا ليس من حقكم وأن القانون لا يجيز لكم ما تفعلونه، أتريد منهم إغلاق أفواههم عن الصراخ في وجه المعصية وفي الدفاع عن أنفسهم، وإلا اعتبرت ذلك تشهيرا أليس من الأفضل لك أن تصمت، لأنك عندما تنطق الكفر ذاته ؟
ألعلكم تحتسبون الضحك على الأطفال أنها من أعمال البر وكرازة؟ فتأتون بهم في البرد القارص من قراهم إلى يوم احتفالكم في الصوفانية، أتضحكون عليهم وعلى المؤمنين بالكنيسة أم تضحكون على أنفسكم؟ أبهؤلاء تريدون إيقاف كلمة الحق وشمس الحقيقة، فتكثرون بالأطفال العدد وبصخب ضجيجهم تدعون وتعلنون قوتكم وثباتكم، وهم لا يدرون ماذا يفعلون، أم كما في سياق قولك تريدون استعطاف الناس أو نيل العطف عبر الأطفال، تعرف بأن هؤلاء الأطفال لا خطيئة عليهم، ولكن ما نقول لهم عندما يكبرون، أن مدبريكم بجهلهم قد أساءوا، وهل رفع صورة العذراء ورموز الكنيسة هو الإيمان كما تحاولوا أن تصوروا الأمور، ألم تسمعوا بأن الله أحب البر وأبغض الإثم، أم أنكم تتكلمون من فضلة قلوبكم فكما هي مسكونة بالشيطان تتكلم ألسنتكم. أليست الكرازة هي بما علم الرب من وصايا والإيمان بملكوته على الأرض وفي السماء، هل هذا ما تفعلونه، أم تكرزون بالصوفانية على أنها كنيسة الله،
ربما يصور لكم شيطان الصوفانية بأنها الكنيسة الحقة وأنها كنيسة المسيح، وأن من خرج عنها فقد قسّم جسد المسيح، وهكذا تحسبون الجماعات الأخرى، وأن جسده توزع أشلاء، لم يقال هذا لا في العهد القديم عن حمل الله ولا في ما تضمن العهد الجديد، ولكن كسر الرمز الخبز لنذكر الضحية التي قدمت من أجل خلاص العالم وكي نعمل بها، فالكنيسة بما أنها جماعة المؤمنين، لا تقوم على الرقص وفرق الممثلين (والهوبرة) بل بالتضحية وعمل البر كمثاله بما أننا لبسنا بالمعمودية المسيح، ونحن الموعودون، فكيف ننجو إذن إن أهملنا خلاصا هذا مقداره؟ قد ابتدأ الرب بالتكلم به- عبر:- 2 - 3 / ولكن في الحقيقة هل الكنيسة حقا منقسمة وهي جسد المسيح وملكوت الله على الأرض؟ والسيد له المجد قال: ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطى لرسلها مفاتيح الأرض والسماء؟ هل ينقض ابن الله قوله؟ إذن لماذا الاستمرار في الإيمان وقد أحلّنا الله منه؟ أم يحسب أخينا بول بأن الأمر كذلك، فيحق له قول ما يقول والأيمان بما يؤمن، فيفتح هو الآخر دكان قداسة على حسابه، إن منطق الأمور كما تسيرون به إلى هكذا يصل، أما كففتم إذن عن هكذا هذيان؟ أما زلتم تتحدثون عن انقسام الكنيسة؟ أما علمتم بأن كنيسة الله لا تنقسم وهي واحدة؟ وأن من يخرج عنها فقد خرج خارج الملكوت إلى كنيسة الشيطان؟
أخ بول: ربما تتغاضى عن أمور كثيرة فعلها دعاة الصوفانية ويفعلونها منذ بدء مسيرتهم ليس خارج المنطق الإيماني فقط وإنما خارج المنطق العقلي والأخلاقي لكن هذا لا يؤدي إلى هدم كنيسة الله وإنما إلى هدم المجتمعات وضلال الأخوة، نحن لا نستطيع أن نقول ما نعرف، فأنت ذاتك منذ دخولك كالحمل وابتداء قولك: شرعت تهدد بأن الموقع يشهر؟، لمجرد أنه أظهر الحقيقة أمام مؤمني الكنيسة كي لا ينخدعوا، ومن ثم تورد ما يفعل الغير من أعمال لتبرر ما يفعله إخوانك، فليس لنا نحن بكل هذه الأفعال إن ظهر هؤلاء المشعوذون وتنبأوا إن طردوا الشياطين بالطرق والساحات العامة في صالات المسارح أو على رؤوس الجبال، أو في التلفزيون، وليدعوا ما يدعونه ويفعلوا ما يفعلونه، فنحن لنا كنيسة الرب ووصاياه، نجتمع في المحبة ونعمل في المحبة، لنا الإيمان والرجاء نحن من آمَنا فقبلنا أخوة وأبناء في الرب، فأقمنا في ملكوته الأرضي على رجاء القيامة، لنا بقاء النور حتى المجيء الثاني إن اجتهدنا عمل المحبة في الإيمان وللغير الدينونة.
عن ماذا تتحدث يا أخ بول: أتتحدث عن شفاءات ومعجزات أمصدق أنت ما تقول؟ أتقصد معجزة تكثير الزيت: حيث يشترون التنكة منه بالليرة ويبيعون القطرة منه بدولار، أم عن معجزة الشفاءات حيث لا شيء منها إطلاقا سوى قصص مختلقة وفبركات وإشاعات وروايات، أم عن معجزات التمثيل والإخراج والمونتاج لحلقات عرض (الفيديو) وماشابه، أم عن معجزة الظهورات والانخطافات المصورة والمكتوبة وما ابتدعته مخيلة القائمين على الموضوع من رفقائك، أم الجراحات التي تبين كذبها، أم موضوع العمى، أتصدق بأنها رقدت ثم قامت وفقدت النظر لثلاثة أيام، (فلقد أستقدم الزحلاوي حينها صديقه الطبيب إيلي فرح وهو طبيب عيون، وبإلحاح طلب منه الشهادة على فقدانها النظر لمدة ثلاثة أيام ولربما قد توقع حين استقدمه موافقته على طلبه، فما كان من الطبيب إلا أن رفض بشدة طلب صديقه، وهنا تدخلت امرأة جليلة كانت حاضرة تسمع الحوار وتواجدت أثناءها مع من تواجد بدافع إيمانها، وكانت تعرف بدورها الطبيب، فسألته لماذا لا تريد الشهادة، قأجابها: أنا لا أرى وأنت لا ترين أما هي فترى) ؟، أم عن الجمعات والتهييصات وتطبيق النساء للرجال والرجال للنساء وخراب البيوت، عن ماذا تتحدث عن الرسائل (الخنفشارية) كما يقول أهل الشام لمسيحهم أو لعذرائهم، فلا شفاعات يا أخ بول، ولا قدوسات أظهرت مجدها في الصوفانية، بل من أظهر مجده هو الشيطان، أليس بيت الصوفانية الذي تظهر فيه هذه الأعمال التي تدعونها، أليست المختارة ميرنا؟، ألم تعطوها مجد التكلم مع سيد الخليقة ووالدة الإله؟ أهنالك مجدا أكبر منه؟ حتى بولس الرسول لم يحصل عليه؟، مَن أعطاها ذلك وما البرهان على أنها تحدثت مع سيد الخليقة، أيحق لكم أن تعطوا ما ليس لكم وأن تشهدوا بالباطل؟ ألم تبلغ السيدة ميرنا دون نساء الأرض رسائل المصائر وتبدل العقائد وهدم الكنائس ووراثة الكل، أليس في بيتها ستبنى كنيسة المسيح، ترى أن السيد المسيح لم يبني كنيسته !، إذن فمسيحها هو مسيح آخر فعلى ماذا يا أخ بول تتحسر، ألعلك على خسارتك تجارتك بها؟ أيبرهن أي شيء أكثر من هذا على تسلل الشيطان إلى المكان، وأيضا إلى القائمين بدعوة الصوفانية وإلى مناصريهم وعلى قدرته الكبيرة، كما تسلل إلى الحية وأسقط آدم الأول في المعصية، إذن فمن يصنع مجدا كهذا ويخص أناسا كمثلهم يدين ويبارك ويغفر الخطايا، فأقلها أن يتنبأ ويطرد الشياطين ويصنع آيات أم أنهم متواضعين، وعلى هذا فقط توقف التواضع، وبعد من هذه المجموعة الصغيرة، ألم تقل السيدة ميرنا وحسب تعبيرها أن يدها للباط في حلق كل منهم أتعرف معنى هذا، أأنت منهم أم تدفع؟
أخ بول يبدو بأن شريحة أو قطاع من البشر شاء القدر أن تكون شريحة منه بين المسيحيين، وهؤلاء قد صعدوا أو أثروا في غفلة من الزمن، يريدون مكانة ما (قد تكون اجتماعية)، لا تسمح لهم الحصول عليها تعاليم الكنيسة وتقاليدها، فالكنيسة مجتمع الكمال لأنها ملكوت الله على الأرض، وجسد المسيح الخالي من كل عيب؛ وأبناءها من المؤمنين بعد أن وهبوا الخلاص صاروا في النور، ينتظرون بشوق المجيء الثاني المجيد، وبعد أن تعب هؤلاء الذين عاشوا في كل معصية وأثروا على حساب أخوتهم وتميزوا كذبا، بعد أن تعبوا من غسل ذنوبهم المتجددة، لأن لا توبة حقيقية لديهم، آثروا تبديل الملكوت وتفصيله على مقاسهم، عوضا أن يتبدلوا ويتوبوا ليعيشوا في النور، في كنيسة المسيح الحقة، وليس من ضير أن تكون لهم كنيستهم؟ ربما لهذا اختارهم الشيطان .. أبقي أكثر من هكذا حالات ضد المحبة؟ أيصنع الذي ذكر سابقا غير الحقد والنميمة والغرور، أبقي شيء لصالح الإيمان أهنالك تأليه للذات أكثر من هذا التأليه؟ أهنالك قلب للمعايير أكثر من هذا: الكذب صدق مقدس، والعهر عفة مقدسة، والنجاسات طهارة مقدسة، والجهل علم مقدس، أهنالك فرق بين تأليه ذواتنا من خلال جماعة محدودة كاذبة مثل هذه الجماعة؟ كالانتماء مثلا لعائلة الصوفانية، أو تأليه ذواتنا مباشرة لا فرق إنه مجرد تحايل، أخ بول: لا شيء يمنعك أنت وجماعتك من العودة إلى الطريق الصحيح طريق الرب، لا شيء يمنعكم عن التوبة،
أطلبوا ملكوت الله وبره، وهذه كلها تزاد لكم.

صلواتكم

soffani

الأربعاء، 25 نوفمبر 2009

من هو؟ ماذا نقول لمن وضع نفسه في خدمة الشيطان (في الصوفانية)؟



منتديات الشبكة الأرثوذكسية العربية الأنطاكية - منتدى الشبيبة الأرثوذكسية > الإيمان والعقائد الأرثوذكسية > البدع والهرطقات
من هو الذي يظهر في الصوفانية؟ - (موضوعين)
منتديات الشبكة الأرثوذكسية العربية الأنطاكية - منتدى الشبيبة الأرثوذكسية
http://vb.orthodoxonline.org/showthread.php?t=8002
1- ماذا نقول لمن وضع نفسه في خدمة الشيطان؟
أيها الأخ المحبوب
كريستو نعمة الرب يسوع معك

ماذا نفعل بمن ابتعد عن كلمة الرب، ووضع نفسه في خدمة الشيطان؛ ومن ثم حسب في نفسه القدرة على اللعب في الناس
والعباد كما يريد، فيختلق القصص، ويدعي الرؤى، وفعل المعجزات، فيبلبل ذهن الرعية ويشوشه لمكاسب قد تكون آنية ولمجد شخصي، أو أن يفعل ما يفعله كردود أفعال مرضية ودوافع حقدية.. مآلها الهلاك؟
يقول بولس الرسول:
لأن الله ليس إله تشويش بل إله سلام. كو:1 – 14 - 33 - إن كان أحد يحسب نفسه نبيا أو روحيا، فليتعلم ما أكتبه إليكم انه وصايا الرب. ولكن أن يجهل أحد فليجهل!. كو: 1- 14 – 37 - 38

إذن الموضوع بالنسبة إلينا هو وصايا الرب وليس البشر، فإننا كمؤمنين موعودين بالملكوت؟ ومن ثم يأتي هؤلاء الخطأة المبتعدون عن الكلمة المتطاولون، ليضعوا أنفسهن بوقاحة في موقع الحقيقة المطلقة وهم يعرفون أنفسهم بأنهم متكسبون كاذبون ليقولوا آمنوا بنا، كيف نؤمن بما هو خارج عن الكنيسة وعقائد الإيمان؟ وكيف نخرج عن طاعتها؟ الكنيسة دعوة إلهية للخلاص وليست موضوعة ومبنية من قبل البشر لآن (محدد) وإنما لانقضاء الدهر، فالمخلص قال:على هذه الصخرة أبني كنيستي، الصخرة هنا صخرة الإيمان ومن ورث هذا الإيمان وحافظ عليه، إذن الكنيسة بناها المخلص الإله وحتى لا يُشكل علينا في حقيقة دعاوى هؤلاء فلنسأل عما هو الإيمان:
يقول بولس الرسول: وأما الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقانُ بأمور لا ترى. فإته في هذا شُهد للقدماء.عبر/ 11 – 1 – 2

إذن الإيمان هو بما وعد الرب (أي في ما يختص بملكوت الله الذي علمته الكنيسة)، وليس بمجموعة الترهات الصبيانية والهرطقات التي ادعتها وتقولها الصوفانية..
*بعد أن تعب هؤلاء الخطأة من غسل عارهم أمام كنيسة المسيح الحقة، قرروا أن يكون هذا العار ذاته، لبوسهم الممجد في كنيستهم الجديدة؟!
وقد يكون من المستحسن كي لا تختلط الأمور، إيراد بعض الملاحظات عن واقع الحال:
- 1 إن التحصيل العلمي وخاصة الاختصاصي قد لا يتبعه بالضرورة اطلاعا أو تعمقا في أمور العقائد الدينية أو تساميا ًإيمانيا،2 – إن أكثر الناس في الزمن السيء، لا يقرأون بل ينساقون إلى الرؤية البصرية وإن كانت مخادعة، ومن كان يطلع ممن حَصل على العلم، تحول هو أيضا في زمن الجهل، وانصرف إلى كسب الرزق،
3 – هنالك الكثير من أنصاف المطلعين والقارئين يدّعون بما ليس لهم فيه وكتعويض لحالتهم يقرأون على الناس رؤى انتابتهم يعتبرونها الحقيقة، ويلجأون إلى الخزعبلات والشعوذة،
وكي لا تنتابنا المفاجأة يجب أن نعلم بأن الصوفانية ما هي إلا امتداد لجوقة الرب الأزلي - جماعة النعمة - التي انتمى إليها أبو
غسان عيسى وانتظمت وتشكلت في قبو سجعان جحا لصناعة الجلديات في منطقة القصّاع - دمشق ولم تزل حتى الآن تمارس أنشطتها بمن كان قد انضم إليها مثل المدعو الظواهرة، وكان المُرشد الروحي وإن شئتم المستشار الروحي لها ولغيرها من الجماعات التي انتشرت زمنها أواخر السبعينات الزحلاوي ذاته وعنده كانت تودع نسخ من الرؤى التي كان يدعيها أصحاب النعمة حسب قول الأب الروحي سركيس ابن أخ (المرحوم)سجعان، وقد نقل الزحلاوي هذا خبرته في هذا الموضوع إلى الصوفانية وأصبح داعيها الأول، وأنشأ لها نواة مؤتلفة (كحزب) جُلّ أعضائها من أقاربه وملحقاتهم وشلة المنتفعين من خدماته وبعض معارفه، وكي لا يعطيها صفة جماعة منظمة أطلق عليها صفة عائلة، وحتى لا نطيل في شرح صفات هذا الشخص: فعندما انتمى الزحلاوي إلى سلك الكهنوت سأله عارفوه من الحكماء من أين لك هذا؟، تماما كما يسأل عارفوا زوج القديسة الآن من أين لك هذا؟،
وبعد أن تبين لكثير من المؤمنين تهافت منطق دعاة الصوفانية الهرطوقي وتبين لهم أنه ليس في الصوفانية ما هو مقدس إذ لا خوارق ولا معجزات، وبعد أن تبين كذب ادعاءاتهم بالظهورات والانخطافات والسمات أو الجراحات (إذ تبين من وجهة الاختصاص الطبي "أن تشخيص" عارضها الطبيعي لا يتفق ولا يتطابق مع وصفهم لها)، نقول: بعد أن تبين للمؤمنين كل هذا (خاصة بعد ما قدم موقع الشبكة الأورثوذكسية من بيّنات)؛ أعرض الناس عنهم، عندئذ تكشف لدعاة الصوفانية حقيقة مأزقهم وفشل فاعلية استخدامهم للمشاهد الاستعراضية، فكان لا بد من إيجاد مخرج وكان لا بد أن يلجأ الزحلاوي وهو الخبير بأمور تعبئة الجماهير والبروبغندا وحسابات ردود الأفعال، وصاحب الصرعات المتعددة إلى أس
اليب أخرى أكثر دهاء، لتغطية تهافت منطق دعاة الصوفانية الهرطوقي بإظهار كثرة أعداد الناس الملتفين حولها ذلك ليغلب الظاهر المراوغ الكلمة الحقة؛ والملاحظ بأنه كان يفشل دائما في مساعيه ومشاريعه (إذ كان يعوج طريق الرب)،
فسعى أولا إلى إعطاء بيت الصوفانية مكانة اجتماعية، فوجه بعض الكهنة والراهبات بطرق شتى إليه، كما استقدم بعض مشايخ الطوائف والطرق الإسلامية، كما استقدم إليه بعض المشاهير من إعلاميين وفنانين، واحتفل ببلوغ سن إعفائه هذا العام من الخدمات الكهنوتية في البيت ذاته.
إن اجتماعات مكثفة لما يُسمى عائلة الصوفانية كانت تنعقد في أماكن مختلفة، منذ أكثر من ستة أشهر لتدارك الوضع المنهار، خرجت بمجمل اجتهادات تسعى لتنفبذها:
1 – شرح منطقهم وموقفهم الهرطوقي المتهافت في الأماكن المتوفرة لهم على أنه الحقيقة المطلقة المنزلة من السماء، مقابل عقائد الكنيسة الحقة ومواقفها،
2- خلق ردود أفعال عصبوية اتجاه الكنيسة الأورثوذكسية من قبيل القول: أن الكنيسة الأورثوذكسيية تهاجم الكاثوليكية والطوائف الأخرى، على اعتبار أنهم يمثلون الكاثوليكية والتسامح مع الطوائف
3 – تكثيف المظهريات الإيمانية، يتمثل في المواظبة على اجتماعات عائلة الصوفانية، وجمع أكبر عدد من الناس – من ال
أمهات والإخوة والآباء والأجداد والأخوال والخالات والأعمام والعمات والمعارف - والتجمهر أمام منزل الصوفانية ورفع صورة العذراء وإضاءة الشموع وترتيل الأناشيد بصوت عال (ولحوسة الصورة أمام الباب) كفاعلية للإيحاء كما هو مرسوم،
4 - تكثيف دعوات السيدة ميرنا إلى الدول الأخرى لبنان وأوروبا ومصر وأمريكا ضمن ما يعبّرون عنه استضافات من قبل جمعيات ونواد وتجمعات دينية وشخصيات مشبوهة محدودة التأثير في مناطقها لإعطائها صبغة عالمية براقة.
منذ أشهر وعائلة الصوفانية (جماعتها) منهمكة في نشاط غير عادي؛ ففي كل أسبوع تقريبا يأتي دعاة الصوفانية بتوليفتهم المعهودة أقارب الزحلاوي ومجموعة من أصحاب العضلات ومن نساء مهجورات وعانسات وشباب محروم إلى ساحة الصوفانية، ليؤدوا الاستعراضات المناسبة (عجقة وصخب وصراخ ومشاهد من القبلات يكررونها ويتوازعونها ويتبادلونها فيما بينهم)، إضافة لحفل التقاط الصور لهم في ساحة الصوفانية يخرجونها ويوظفونها فيما بعد بطرقهم، كل ذلك قبل انطلاقهم إلى القرى والأماكن المختارة بدقة والمُهيئة لاستقبالهم أكان في لبنان أو في محافظة حمص أو في محافظتي حوران والسويداء أو ريف دمشق، مع عدة الشغل من صور للعذراء وأعلام وصور صغيرة ومنشورات ومسابح مشغولة للهدايا، كل ذلك في إطار الدعوة للحضور إلى العيد السنوي العتيد الذي سيبرهن فيه الزحلاوي من خلال الحشد الجماهيري المستقدم(إلى ساحة الصوفانية) على صدق دعوته الهرطوقية وبطلان عقائد الكنيسة الإنطاكية القائمة بكل طوائفها.
قال لي مراقب: يهرجون ويصخبون وأهل الحارة في بيوتهم لا يتطلعون، فهم يحتملون ويصمتون إذ لا سند لهم؛ المشهد يتكرر، الوجوه الوافدة ذاتها تبلغ في العدد من عشرة إلى عشرين شخص، أحيانا يتزايدون بالأقارب والمعارف ولا يخلو بعض الوافدين من غايات خبيثة طامعة، فمن اجتمع معهم يبدو واضحا بأنه قد اجتمع على الخطيئة، إذ يحسبون بأن ملكوت الله مأكلا ومشربا، وقد حدث مؤخرا أن استنكفت إحداهن عن الذهاب وبصحبتها أبنائها الثلاثة، فسارعت (صاحبة القداسة) إلى استرضائها رجتها وتذللت إليها ولم تدعها حتى اصطحبتها إلى باص الركوب لتزيد من عدد الذاهبين برفقتها، ثم ركبت (القديسة) سيارة احتفالية من النوع الفخم وإلى جانبها من يسوقها وزوجها ومرافقها (الحرس
الشخصي) حسب ما تقتضيه المظهرية، ثم لحقت بالركب،
فإلى هكذا أعمال يدعو الرب السماوي؟!، أم يدعو إليها الشيطان؟.

وبهذا يقول بولس الرسول:
كل شيء طاهر للطاهرين، وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهر، بل قد تنجس ذهنهم وأيضا ضميرهم يعترفون بأنهم يعرفون الله، ولكنهم بالأعمال ينكرونه، إذ هم رجسون غير طائعين ومن جهة كل عمل صالح مرفوضون/ تيطس:1 – 15 . 16
soffani
هذا الموضوع موجود في:
http://vb.orthodoxonline.org/showthread.php?t=8002&goto=newpost

2- موضوع آخر:
قيود الكنيسة تقف في وجه الضلال، لذا صارت تثقل على الأشرار وتلسع وجوههم بسياط من نار؟
الأخ العزيز ألكسوس
لكم جزيل الشكر على اجتهادكم في هذا التوضيح المبهر بأنوار الملكوت، فالله القدير قد وفقكم وهداكم في ما تقدمتم به من بينات الكتاب المقدس ردا على الهراطقة أصحاب البدع، حفظكم الله من كل سوء.
حاولت الكتابة إليك أمس مباشرة على الموقع، إلا أن الحاسوب لدي قد تعطل وهكذا ضاع ما كنت قد كتبته إليك من كلمات، ولعل في ذلك مقاصد خيرة.

يخطر في الفكر أحيانا أن نقطع الحديث مع أمثال هؤلاء، فهم يمتلكون القدرة والمال، ويتعاملون بما هو سائد من خطأ في حياة البشر، ونحن لا نملك غير إيماننا وما ينعم به الله علينا عندما نفتح أفواهنا للتحدث بكلمات عن أنوار ملكوت الله.
فهم من الذين انتفخوا حتى أغلقت عقولهم وعميت أبصارهم، ولكنهم أيضا ممن يجيدون البهرجات، ولكن لربما كان لما يفعلونه مقصدا إلهيا، كي نزداد حكمة، ونتعلم كيف يفكر الأشرار ويعملون ويتدبرون وبأي مسالك يسلكون، ونستعد بالإيمان لما هو أعظم، فنعد طرق الرب قويمة، فليسوا وحدهم أصحاب الضلالة، فلقد اجتهدوا وأضلوا أناسا آخرين، انتفخ هؤلاء المُضَلِلون حتى باتوا لا يرون إلا أنفسهم وحتى صاروا متشبهين، فأباحوا لأنفسهم أن يلبسوا ما لسيد الخليقة من لبوس، ويتشدقون بأن لهم القدرة على الخلق كما الله القدير، فأي هرطقة وأي كفر أكثر من هذا، المسيحيون أخوة للمسيح وأبناء لله، مدعوون إلى الكمال لا أن يكونوا بدل الله، لكن هؤلاء الأدعياء يريدون إسقاط الملكوت ليتحد مع مملكة الشرور والشيطان وهذا محال،
ومن هو هذا المتخفي المدعو بول؟: ألعله الراهب العازاري المفصول من رهبنته إكراها أو تراضيا أو توزيعا للأدوار تاجر الأعضاء البشرية باسم الجمعيات الخيرية؟، (نذكر بأن الراهب المؤسس لما يسمى الظاهرة عازاري أيضا) نحن لا نعلم ما علاقة المدعو بول بالموضوع، لكن لربما تكون هذه المسماة ظاهرة ممولة من قبله وإحدى واجهات أعماله (فلقد صارت مؤسسته فاحشة الثراء)، لكننا نعلم أن من يعملون لدى الظاهرة الآن من دعاة وخدم، كانوا في خدمته وأن أصحاب الظاهرة وحاشيتهم من المنتفعين يقدمون خدمات مجانية لمن يقبلون الشركة الضلالية معهم (معالجات وخدمات عينية أدوية وغيرها بما فيها المالية)، ولربما كان من محامد ما قدمه موقع الشبكة الأورثوذكسية أن كشف هؤلاء العائشين في الظلام، الذين يتوزعون الأدوار، والذين انحدروا إلى مستوى الهرطقة والكفر وما يبيحه هذين من أعمال، فأباحوا لأنفسهم فعل كل السقطات، ونقلوا فعل الإباحة هذا من القبيح المكروه والمذموم إلى الفضيلة ومن كونه ساقط في العرف الأخلاقي والديني إلى مستوى المُشترَع إلهيا واجتماعيا النائل رضى من الله،
يبدوا أن هؤلاء قد تعبوا من تناقضات حياتهم بين الفضيلة والشر، تعبوا من شرورهم في عالم الفضيلة لذا نقول: (بعد أن تعب هؤلاء الخطأة من غسل عارهم أمام كنيسة المسيح الحقة، قرروا أن يكون هذا العار ذاته، لبوسهم الممجد في كنيستهم الجديدة؟!)
يحاولون بامكاناتهم المادية رشوة الناس للجمهرة، وإلى الحشد، لكن فاتهم أن هذه المظهرية لا تصنع الإيمان وأن الحقيقة ليست بالكثرة، لقد اعوجوا في أعمالهم وليست هكذا مقاصد الله، لا يضحكون على الله بل على أنفسهم فصدقوا أعمالهم وما هم فيه بدلا من أن يتوبوا، إذن كيف لهم أن يتجرأوا (إن لم يكونوا في حالة الهذيان والجنون) ليتشبهوا بسيد الخليقة وأن يشبهوا ما يفعلونه في عالمهم الضيق من الموبقات بالملكوت، أم أن مفاهيم عالمهم أصبحت من طينة أخرى خارج إجماع البشر وما علمته الكنيسة وما اجتهد به آباؤها، إذن فهم يحسبون أنهم شطاراً يسرقون الملكوت،
لا يخفى أن هنالك عالمين: عالم الملكوت وعالم الإنسان، عالم إنسان عصي وانفصل عن الله لكنه بقي في مراحمه، لذا نزل السيد من السماء لخلاص البشر فإن لم يكن هذا صحيحا فأي مبرر لنزوله وتجسده وتأنسه؟، إن لم يكن للإنسان أن يصير كاملا كي يصعد إلى الله فما هي مبرر علاقته بالله؟ إذن نحن بالإيمان وأعمال البر مدعوون إلى الخلاص، مدعوون إلى الإتحاد بكنيسة الله حتى نكون كاملين، كي يحصل لنا الخلاص ونتمجد مع أبينا في السماء، هكذا تفهم الأمور، وليس من مجرى آخر لنهر الملكوت، فلسنا نخطئ إن تحدثنا إذن باسم كنيسة المسيح؟
أما من غرر بهم وتزيَن لهم أن الانحدار هو طريق الرب فليس لهم خلاص، ومن استسهل مسالك الشيطان صعب عليه الرجوع، إن هؤلاء الدعاة ومن التف حولهم من المنتفعين قد أصبحوا هم الظاهرة بكل ما تعنيه من شرور وليس ما يسمى الصوفانية المكان، فالصوفانية يبدو أنها قد أصبحت عنونا لا أكثر، عنوانا لمن يريد الخروج عن كنيسة الرب وتعاليمها، عنوانا لمن يروم مخالفة وصايا الرب، عنوان لكل مستهزئ بالملكوت ويريد السير بركب الموبقات على أنها قداسات، فقيود الكنيسة تقف في وجه الضلال لذا صارت تثقل على الأشرار وتلسع وجوههم بسياط من نار، فهم في عرف حالتهم الجديدة أنه من الأسهل الإنفلات والفجور فبهما يباركون، لأن الفجور أصبح في عرفهم فضيلة مباركة من الرب، هكذا تنقلب المفاهيم بعرف تقدمهم وبعرف تحضرهم وما سواها (ليس فيه عبقرية الخلق والإبداع)،
إذن بعد هذا فقد وصلت المواصيل لديهم لأن يتشبهوا بالله، وينفشون ريشهم على العباد، ويقيسون أعمالهم التي هي من الشيطان بأعمال الملكوت، فيخلطون الأمور، ويدعون بأن ما لديهم، هو من أعمال الملكوت وفي وقاحة لا سابق لها، يدعوننا إلى نبذ الكنيسة الحقة كنيسة المسيح للالتحاق بكنيستهم كنيسة الشيطان والإيمان بها، ألا يعلمون بأن الإيمان هو ما نقلته لنا الكنيسة من وصايا الرب وما علمته الكنيسة بما هو لملكوت الله، ليصير لنا الخلاص، أليس هكذا ما اجتهد الآباء وعلمنا الرسل؟، فهل ميرنا هي مريم العذراء (تقدس اسمها) أو المسيح له المجد أو هي المعلمة كما المسيح؟، والزحلاوي الداعية الأول كبولس الرسول؟، ربما اعترى هؤلاء الداعون الحمق أو الجنون حتى اختلط عليهم الأمر فيقارنوا ويماثلوا هذين وأعمالهما بالمسيح الإله والرسل الفديسين، ويأتون بما هو شهادة للمسيح على أنه شهادة لهما، نحن نقول لهم أن يتوبوا، وكفى رعونة، فرحمة الله واسعة. يقول بولس الرسول عن الإيمان:
وأما الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقانُ بأمور لا ترى. فإنه في هذا شُهد للقدماء.عبر/ 11 – 1 – 2
ولا بأس التذكير بما يؤمن به المسيحيون حسب الكتب المقدسة، كما علمت الكنيسة: علمتنا أن نؤمن بالثالوث القدوس، إله واحد/، بالآب السماوي الخالق الوجود من العدم،/ وبالرب المخلص يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، المتجسد من الروح القدس، المتأنس من مريم العذراء الطاهرة، الذي نزل من السماء من أجل خلاص العالم/، وبالروح القدس المنبثق من الآب الناطق بالأنبياء/، وبكنيسة واحدة جامعة مقدسة غير منقسمة/، وبمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا/، وقيامة الموتى/، والحياة في الدهر الآتي/.

هذا هو أساس ما علمته لنا الكنيسة، واجتهد به آباؤها ووضعوه في قانون الإيمان المعمول به، وهو ما سلك بهديه قديسوها من الشهداء المتنورين لتكون لنا نجاة من الشرير، نعيد القول لهؤلاء الضالين أن توبوا، إجعلوا طرقكم قويمة، فإن مراحم الله عظيمة، تعالوا معنا إلى مائدة الرب تذوقوا ما أطيب الرب.
فلتكن صلواتكم معنا

soffani
منتديات الشبكة الأرثوذكسية العربية الأنطاكية - منتدى الشبيبة الأورثوذكسية > البدع والهرطقات
هذا الموضوع موجود في:

الاثنين، 23 نوفمبر 2009

القديسة الشهيدة دميانة - سيرة حياة؟

القديسة الشهيدة دميانة - سيرة حياة؟

دميانة الشهيدة والأربعون عذارى الشهيدات؟
* نشأتها
*وُلدت من أبوين مسيحيين تقيين في أواخر القرن الثالث، كان أبوها مرقس واليًا على البرلس والزعفران بوادي السيسبان. إذ بلغت العام الأول من عمرها تعمدت في دير الميمة جنوب مدينة الزعفران، وأقام والدها مأدبة فاخرة للفقراء والمحتاجين لمدة ثلاثة أيام، بعد فترة انتقلت والدتها. أمير يطلب يدها تقدم أحد الأمراء إلى والدها يطلب يدها، وكانت معروفة بتقواها ومحبتها للعبادة مع جمالها وغناها وأدبها. عرض الوالد الأمر عليها، فأجابته: "لماذا تريد زواجي وأنا أود أن أعيش معك؟ هل تريدني أن أتركك؟" تعجب والدها لإجابتها هذه، فأرجأ الحديث عن الزواج. لاحظ على ابنته أنها عشقت الكتاب المقدس وارتوت به، وكانت تلجأ إلى حجرتها الخاصة تسكب دموع الحب الغزيرة أمام الله مخلصها، كما لاحظ تعلقها الشديد بالكنيسة مع كثرة أصوامها وصلواتها، وحضور كثير من الفتيات صديقاتها إليها يقضين وقتهن معها في حياة نسكية تتسم بكثرة الصلوات مع التسابيح المستمرة.
بناء قصر لها
في سن الثامنة عشر كشفت عن عزمها على حياة البتولية، فرحب والدها بهذا الاتجاه. ولتحقيق هذه الرغبة بنى لها قصرًا في جهة الزعفران بناءً على طلبها، لتنفرد فيه للعبادة، واجتمع حولها أربعون من العذارى اللواتي نذرن البتولية. فرحت البتول الطاهرة دميانة لمحبة والدها لها التي فاقت المحبة العاطفية المجردة، إذ قدم ابنته الوحيدة ذبيحة حب لله. عاشت القديسة مع صاحباتها حياة نُسكية رائعة. امتزج الصوم بالصلاة مع التسبيح الذي حوَّل القصر إلى سماء يُسمع فيها صوت التهليل المستمر.
سقوط والدها
في أثناء الاضطهاد الذي أثاره دقلديانوس ضعف أبوها مرقس وبخر للأوثان. فما أن سمعت دميانة هذا الخبر حتى خرجت من عزلتها لتقابل والدها. طلبت القديسة دميانة من صديقاتها العذارى أن يصمن ويُصلين لأجل خلاص والدها حتى يرجع عن ضلاله. التقت القديسة بوالدها، وفي شجاعةٍ وبحزمٍ قالت له: "كنت أود أن أسمع خبر موتك عن أن تترك الإله الحقيقي". كما قالت له: "اعلم يا والدي أنك إذا تماديت في هذا الطغيان لست أعرفك وسأكون بريئة منك هنا وأمام عرش الديان حيث لا يكون لك نصيب في الميراث الأبدي الذي أعده الله لمحبيه وحافظي عهده". صارت تبكته بمرارة عن جحده لمسيحه مهما كانت الظروف. وسألته ألا يخاف الموت، بل يخاف من يُهلك النفس والجسد معًا، وألا يجامل الإمبراطور على حساب إيمانه وأبديته. مع حزمها الشديد وصراحتها الكاملة كانت دموع محبتها تنهار بلا توقف، وهي تقول له: "إن أصررت على جحدك للإله الحقيقي، فأنت لست بأبي ولا أنا ابنتك!"
قيام مرقس من السقوط

ألّهبت هذه الكلمات والدموع قلب مرقس، فبكى بكاءً مرًا وندم على ما ارتكبه. في توبة صادقة بروح التواضع المملوء رجاءً قال لها: "مباركة هي هذه الساعة التي رأيتك فيها يا ابنتي. فقد انتشلتيني من الهوة العميقة التي ترديت فيها. وتجددت حياتي استعدادًا لملاقاة ربى العظيم الذي أؤمن أنه يقبلني إليه". وبروح الرجاء شكر الله الذي أيقظ قلبه قائلاً: "أشكرك يا إلهي لأنك نزعت ظلمة الكفر عن قلبي.
الفخ انكسر ونحن نجونا...
" فتركها للوقت وذهب إلى إنطاكية لمقابلة دقلديانوس وجهر أمامه بالإيمان، وندم عما أتاه من تبخير للأصنام. تعجّب الإمبراطور لتحوّل هذا الوالي المتسم بالطاعة، والذي ترك إيمانه وبخر للأوثان أنه يجاهر بإيمانه بكل قوة. وبخ مرقس الإمبراطور على جحده الإيمان، وحثه على الرجوع إلى الإيمان الحيّ. لم يتسرع الإمبراطور في معاقبته بل استخدم محاولات كثيرة لجذبه إليه، وإذ لم يتراجع مرقس ثارت ثائرة الطاغية، وأمر بقطع رأسه. وكان ذلك في الخامس من أبيب، في عيد الرسل.
انتشر الخبر في كل الولاية وتهلل قلب ابنته القديسة دميانة، فقد نجا والدها من الهلاك الأبدي ليُشارك مسيحه أمجاده. وفي نفس الوقت حزن الإمبراطور على مرقس، إذ كان موضع اعتزازه وتقديره.
بعد أيام علم دقلديانوس أن ابنته دميانة هي السبب في رجوع مرقس إلى الإيمان المسيحي، فأرسل إليها بعض الجنود، ومعهم آلات التعذيب، للانتقام منها ومن العذارى اللواتي يعشن معها. شاهدت القديسة الجند قد عسكروا حول القصر وأعدوا آلات التعذيب، فجمعت العذارى وبروح النصرة أعلنت أن الإمبراطور قد أعد كل شيء ليُرعبهم، لكن وقت الإكليل قد حضر، فمن أرادت التمتع به فلِتنتظر، وأما الخائفة فلتهرب من الباب الخلفي.
فلم يوجد بينهن عذراء واحدة تخشى الموت. بفرحٍ شديدٍ قُلن أنهم متمسكات بمسيحهن ولن يهربن. شركة آلام مع المسيح التقى القائد بالقديسة وأخبرها بأن الإمبراطور يدعوها للسجود للآلهة ويقدم لها كنوزًا كثيرة ويُقيمها أميرة عظيمة. أما هي فأجابته: "أما تستحي أن تدعو الأصنام آلهة، فليس إله سوى رب السماء والأرض. وأنا ومن معي مستعدات أن نموت من أجل اسمه". اغتاظ القائد وأمر أربعة جنود بوضعها داخل الهنبازين لكي تُعصر.
وكانت العذارى يبكين وهنّ ينظرن إليها تُعصر. أُلقيت في السجن وهي أشبه بميتة، فحضر رئيس الملائكة ميخائيل في منتصف الليل ومسح كل جراحاتها. في الصباح دخل الجند السجن لينقلوا خبر موتها للقائد، فكانت دهشتهم أنهم لم يجدوا أثرًا للجراحات في جسمها. أعلنوا ذلك للقائد، فثار جدًا وهو يقول: "دميانة ساحرة! لابد من إبطال سحرها!" إذ رأتها الجماهير صرخوا قائلين: "إننا نؤمن بإله دميانة"، وأمر القائد بقتلهم.
ازداد القائد حنقًا ووضع في قلبه أن ينتقم من القديسة بمضاعفة العذابات، حاسبًا أنها قد ضلَّلت الكثيرين. أمر بتمشيط جسمها بأمشاط حديدية، وتدليكه بالخل والجير، أما هي فكانت متهللة. إذ حسبت نفسها غير أهلٍ لمشاركة السيد المسيح آلامه.
أُلقيت في السجن، وفي اليوم الثاني ذهب القائد بنفسه إلى السجن حاسبًا أنه سيجدها جثة هامدة، لكنه انهار حين وجدها سليمة تمامًا، فقد ظهر لها رئيس الملائكة ميخائيل وشفاها.
في ثورة عارمة بدأ يُعذبها بطرق كثيرة ككسر جمجمتها وقلع عينيها وسلخ جلدها، لكن حمامة بيضاء نزلت من السماء وحلّقت فوقها فصارت القديسة معافاة.

كلما حاول القائد تعذيبها كان الرب يتمجد فيها. أخيرًا أمر بضربها بالسيف هي ومن معها من العذارى، فنلن جميعًا أكاليل الشهادة. وقبل أن يهوي السيف على رقبة القديسة دميانة قالت: "إني أعترف بالسيد المسيح، وعلى اسمه أموت، وبه أحيا إلى الأبد". وكان ذلك في 13 طوبة.
مازال جسد الشهيدة دميانة في كنيستها التي شيدتها لها الملكة هيلانة أم الملك قسطنطين، والكائنة قرب بلقاس في شمال الدلتا.
قام البابا الكسندروس بتدشينها في اليوم الثاني عشر من شهر بشنس. ملحق بالكنيسة دير القديسة دميانة، كما بنيت كنائس كثيرة باسمها في القطر المصري.

مكتبة المحبة : سيرة الشهيدة دميانة.